كندا وإعادة رسم العلاقة مع الإسلام السياسي

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

يشكل ما جرى مع (MAC Convention 2026) التابع لـ Muslim Association of  Canada لحظة سياسية كاشفة تتجاوز في دلالاتها مجرد قضية مرتبطة بالتأشيرات أو بإجراءات الحدود والهجرة. فعندما تمنع شخصيات دينية ودعوية من دخول البلاد بشكل جماعي ومتزامن، وتلغى تصاريح سفر إلكترونية لعدد من الضيوف، بينما يعاد اخرون من مطار Toronto Pearson International Airport رغم امتلاك بعضهم وثائق دخول قانونية، فإن الأمر يبدو أقرب إلى رسالة أمنية وسياسية مدروسة، حتى وإن اختارت الدولة عدم إعلانها بشكل مباشر أو صدامي.

ما حدث لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي تشهدها البيئة الغربية عموما، والكندية خصوصا، في مقاربة ملف الإسلام السياسي والشبكات الدعوية العابرة للحدود. فبعد سنوات طويلة من سياسة الانفتاح والتعددية الثقافية التي ارتبطت بعهد Justin Trudeau، بدأت تظهر داخل المؤسسات الأمنية والسياسية الكندية نزعة أكثر تشددا تجاه التنظيمات والشخصيات التي ينظر إليها باعتبارها قريبة فكريا أو تنظيميا من تيارات الإسلام السياسي، حتى وإن كانت تتحرك داخل الأطر القانونية والمدنية.

اللافت في هذه الواقعة أن السلطات الكندية لم تتجه نحو الحظر العلني أو الاتهام المباشر، بل اختارت ما يمكن وصفه بـ الإقصاء الصامت، عبر أدوات إدارية وأمنية هادئة مثل مراجعات الحدود، وسحب التصاريح الإلكترونية، وتأخير أو منع الدخول دون بيانات سياسية صاخبة. وهي الية أصبحت شائعة داخل الديمقراطيات الغربية حين ترغب الدولة في توجيه رسائل حازمة دون الدخول في معارك قانونية أو اتهامات بانتهاك الحريات الدينية.

وتأتي هذه التطورات في سياق غربي متحول منذ سنوات، حيث تصاعدت المخاوف المرتبطة بالتطرف العنيف، وتنامى خطاب الأمن الوقائي، إلى جانب القلق من قدرة بعض الشبكات الأيديولوجية العابرة للحدود على التأثير داخل الجاليات المسلمة، خاصة في أوساط الشباب والجامعات والعمل المدني. وفي هذا السياق، لم تعد بعض الحكومات الغربية تميز بوضوح بين الإسلام السياسي الدعوي والبيئات التي قد تنتج لاحقا أنماطا من الانغلاق أو التطرف، بل بات المجال بأكمله يعامل باعتباره فضاء يستوجب المراقبة الحذرة.

ومن هنا تبدو قضية مؤتمر MAC أبعد من مجرد حدث تنظيمي عابر فهي مؤشر على تحول تدريجي في المزاج السياسي والأمني داخل كندا. فالدولة التي قدمت نفسها طويلا كنموذج عالمي للتعددية والانفتاح، تبدو اليوم أكثر ميلا لإعادة تعريف حدود المقبول دينيا وسياسيا داخل فضائها العام، خصوصا في ما يتعلق بالفاعلين الإسلاميين العابرين للحدود.

كما أن هذه الحادثة تأتي ضمن سياق غربي أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة مراجعات متسارعة للعلاقة مع الإسلام السياسي، خاصة بعد الهجمات الإرهابية التي عرفتها بعض الدول الأوروبية، ثم بعد الحرب في غزة وما رافقها من استقطاب حاد داخل المجتمعات الغربية، وعودة النقاش حول العلاقة بين الخطاب الديني التعبوي وبين احتمالات إنتاج ولاءات عابرة للدولة الوطنية. وفي هذا المناخ، لم تعد الأجهزة الأمنية الغربية تركز فقط على العنف المباشر، بل بات الاهتمام أكبر بما يسمى التطرف غير العنيف أو التطرف الناعم، أي الشبكات والخطابات التي لا تدعو صراحة إلى العنف لكنها تنتج بيئات أيديولوجية مغلقة أو موازية.

ضمن هذا الإطار، يبدو ما حدث في كندا أقرب إلى بداية مراجعة هادئة للعلاقة بين الدولة وبين الفضاء الإسلامي المنظم. فالدولة الكندية تدرك أن أغلبية المسلمين الكنديين مندمجون بالكامل في المجتمع ولا يمثلون أي إشكال أمني أو سياسي، لكنها أصبحت في المقابل أكثر حساسية تجاه الشخصيات والمنظمات ذات الامتدادات الدولية والخلفيات الأيديولوجية العابرة للحدود. لذلك فإن منع بعض الضيوف لا يقرأ فقط باعتباره قرارا ضد أفراد بعينهم، بل باعتباره إشارة إلى رغبة الدولة في إعادة رسم الخط الفاصل بين حرية التدين والعمل المدني من جهة، وبين النشاط الأيديولوجي السياسي العابر للحدود من جهة أخرى.

ومن المهم أيضا الانتباه إلى أن الدولة الكندية نادرا ما تكشف تفاصيل هذا النوع من القرارات، لأن ملفات المنع والدخول المرتبطة بشخصيات حساسة تمر غالبا عبر تقييمات أمنية معقدة تشارك فيها مؤسسات متعددة مثل وكالة خدمات الحدود الكندية و جهاز الاستخبارات الأمنية الكندية ، إضافة إلى التنسيق الاستخباراتي مع حلفاء كندا ضمن تحالف Five Eyes. وهذا يعني أن مثل هذه القرارات، إن كانت ذات بعد سياسي وأمني، تكون عادة مبنية على تقييمات تراكمية تتعلق بطبيعة الخطاب والشبكات والعلاقات والسياق الدولي العام، وليس على حادثة ظرفية معزولة.

كما يحمل التوقيت دلالات سياسية داخلية مهمة، خصوصا مع صعود Mark Carney في مرحلة تغير فيها المزاج السياسي الغربي مقارنة بعام 2015 حين صعد ترودو بخطاب ليبرالي منفتح. فالحكومات الغربية تواجه اليوم ضغوطا متزايدة مرتبطة بالأمن والهجرة والهوية والاندماج، إضافة إلى صعود تيارات محافظة وشعبوية تستثمر بقوة في ملف الإسلام السياسي والهجرة الثقافية. لذلك قد يكون ما يجري جزءا من إعادة تموضع هادئة للدولة الكندية أكثر من كونه حرباً مفتوحة على الإسلاميين أو على المسلمين عموما.

بمعنى اخر، قد لا تكون المسألة مرتبطة باستهداف الإسلام أو المؤسسات الإسلامية بقدر ما تعكس توجها جديدا مفاده أن الدولة الكندية لم تعد مستعدة للتعامل بالمرونة السابقة مع الشخصيات أو الشبكات التي تعتبر مثيرة للجدل أو حاملة لأجندات سياسية عابرة للحدود. وإذا تأكد هذا التحول، فإنه سيكون جزءاً من موجة غربية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة والأمن القومي.

غير أن هذا المسار يحمل في داخله أيضا مخاطر واضحة، لأن الإشكال الأكبر الذي تواجهه الديمقراطيات الغربية اليوم يتمثل في كيفية التفريق بين النشاط الديني المشروع وبين الإسلام السياسي بوصفه مشروعا أيديولوجيا. فأي خلط واسع أو تعميم فضفاض قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر خلق شعور بالاستهداف داخل قطاعات من المسلمين، ودفع بعض الفئات نحو مزيد من الانغلاق وفقدان الثقة بالمؤسسات. ولهذا تحاول الحكومات الغربية عادة التحرك بحذر شديد، عبر أدوات إدارية وأمنية هادئة، بدلاً من المواجهة العلنية المباشرة.

كما أن الجدل يرتبط أيضا بعدم وجود تعريف غربي موحد لمفهوم الإسلام السياسي. فبينما ترى بعض المؤسسات أن المحافظة الدينية أو النشاط الدعوي المحافظ لا يمثلان تهديداً بحد ذاتهما، تعتبر مؤسسات أخرى أن بعض الشبكات الناعمة قد تنتج مع الوقت فضاءات موازية للدولة الوطنية حتى دون تبني العنف. وهذا ما يجعل الحدود بين الدعوي والسياسي والأمني شديدة التعقيد والحساسية.

تبدو قضية مؤتمر MAC مؤشرا على مرحلة جديدة داخل كندا، تحاول فيها الدولة إعادة التوازن بين نموذجها الليبرالي التقليدي وبين متطلبات الأمن والتحولات السياسية الغربية الجديدة. والسؤال الحقيقي لم يعد فقط ما إذا كانت كندا تغلق الباب أمام الإسلام السياسي، بل ما إذا كانت تنتقل تدريجيا من سياسة الاحتواء والانفتاح الواسع إلى سياسة انتقائية أكثر حذرا وتشددا تجاه الفاعلين الإسلاميين العابرين للحدود. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تشهد السنوات المقبلة تحولات أعمق في العلاقة بين الدولة الكندية والمنظمات الإسلامية، سواء على مستوى التمويل أو الخطاب أو طبيعة الشراكات الرسمية، ضمن مسار غربي أوسع يعيد رسم العلاقة بين الدولة الليبرالية والدين والسياسة والأمن في عالم يتغير بسرعة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *