رصد المغرب
يشكل الجدل الدائر اليوم في المغرب حول تعديل القانون التنظيمي للجهات أحد أكثر النقاشات حساسية منذ إطلاق ورش (الجهوية المتقدمة) بعد دستور 2011، لأنه لا يتعلق فقط بإجراءات تقنية تخص تدبير الجماعات الترابية، بل يمس طبيعة الدولة المغربية نفسها: هل تتجه نحو توسيع اللامركزية السياسية والتنموية، أم أنها تعيد إنتاج المركزية بصيغ أكثر مرونة؟
لقد جاء دستور 2011 في سياق إقليمي اتسم بموجة الاحتجاجات العربية، فحاول المغرب تقديم نموذج إصلاحي يقوم على توسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وتعزيز الديمقراطية الترابية، وإشراك الجهات في التنمية. ونص الفصل 136 من الدستور على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على (التدبير الحر) والتعاون والتضامن، كما منح الجهات اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة. ثم جاء القانون التنظيمي رقم 111.14 لتفعيل هذه المبادئ وإعطاء المجالس الجهوية دورا أكبر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمار.
غير أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية كشفت عن عدة اختلالات فالكثير من الجهات واجهت ضعف الموارد المالية، وتداخل الاختصاصات، وبطء تنفيذ المشاريع، إضافة إلى استمرار هيمنة الإدارة المركزية على الملفات الكبرى. ومن هنا تبرر وزارة الداخلية التعديلات الجديدة بكونها محاولة لإعادة الانسجام والفعالية إلى العمل الترابي، خصوصا في ظل مشاريع استراتيجية كبرى مرتبطة بالبنيات التحتية والاستثمار والتحضير للاستحقاقات الاقتصادية والرياضية المقبلة.
لكن الهيئات المدنية والحقوقية التي انتقدت المشروع ترى أن الأمر يتجاوز مجرد تحسين الحكامة، وأن التعديلات المقترحة تعيد عمليا تقوية سلطة وزارة الداخلية والولاة والعمال على حساب المجالس المنتخبة. ويعتبر المنتقدون أن فلسفة الجهوية المتقدمة كانت تقوم على منح المنتخبين هامشا أوسع لاتخاذ القرار المحلي، بينما تؤدي التعديلات الجديدة إلى جعل الجهات أكثر ارتباطا بالمركز وأقل استقلالية في تدبير شؤونها. لذلك اعتبرت عشرات الهيئات أن المشروع يمثل عودة مقنعة للمركزية تحت شعار النجاعة والفعالية.
ومن الناحية السياسية، فإن الدولة المغربية تاريخيا ظلت تعتمد نموذجا يقوم على مركزية قوية، ليس فقط لأسباب إدارية، بل أيضاً لاعتبارات مرتبطة بالحفاظ على وحدة الدولة وضبط التوازنات الاجتماعية والجهوية. فالمؤسسة المركزية كانت دائماً تعتبر أن تفويض صلاحيات واسعة للجهات يجب أن يتم تدريجياً وتحت رقابة قوية، خصوصاً في بلد يعرف تفاوتات مجالية كبيرة وحساسيات سياسية واجتماعية متعددة. لذلك فإن التوتر الحالي يعكس في العمق صراعا بين تصورين تصور يدفع نحو لامركزية فعلية تجعل الجهات فاعلا سياسيا وتنمويا مستقلا نسبيا، وتصور اخر يرى أن المركزية تبقى ضرورية لضمان الاستقرار ووحدة القرار الاستراتيجي.
وعلى مستوى التقييم العام، يبدو أن المغرب يعيش اليوم مرحلة إعادة تعريف للعلاقة بين المركز والجهات. فالدولة تسعى إلى الحفاظ على التحكم في المشاريع الكبرى والتوازنات الترابية، بينما تطالب قوى مدنية وحقوقية بتوسيع الديمقراطية المحلية وتقوية استقلالية المنتخبين. ولذلك فإن مستقبل الجهوية المتقدمة سيتوقف على قدرة النظام السياسي المغربي على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات النجاعة الإدارية من جهة، والحاجة إلى توسيع المشاركة المحلية والديمقراطية الترابية من جهة أخرى.
شارك المقال























Leave a Reply