من غزة إلى فنزويلا. منطق “الخروج عن الطاعة” في عالم بلا خطوط حمراء

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


ما قاله الصحفي الإسرائيلي إدي كوهن ليس زلة لسان ولا تعبيرا عن جنون فردي، بل يعكس خطابا نابعا من شعور متزايد بالقوة. هذا الشعور تشكل لأن إسرائيل اليوم ترى نفسها محمية دوليا وغير خاضعة للمحاسبة، وتعتقد أن كل الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها بالكامل. وما حدث في غزة عزز هذا الإحساس، فالمجازر التي جرت على مرأى العالم دون رد فعلي حقيقي ولدت حالة من الوقاحة السياسية غير المسبوقة.

ومن هنا يصبح من الضروري طرح سؤال رئيسي، وهو ما العلاقة بين ما جرى في فنزويلا وما يحدث في غزة ضمن ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”؟ ظاهريا، تبدو فنزويلا بعيدة جغرافيا وثقافيا عن غزة، لكن في السياسة، الخط الرابط واضح. القضية ليست في الموقع الجغرافي، بل في معيار واحد، من هو “خارج الطاعة”.

غزة اليوم تمثل اختبارا لكسر الإرادة، وإعادة رسم معادلات الردع، وفرض واقع جديد بالقوة. وفنزويلا، بدورها، قالت “لا” للهيمنة الأمريكية، وتحالفت مع إيران، متجاوزة فكرة أن النفوذ يجب أن يبقى ضمن حدود إقليمية. كلاهما وضع في الخانة نفسها، وهي أنهم خارج النظام المراد فرضه.

وأما ما يطرح تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”، فليس مشروع سلام أو ديمقراطية، بل منظومة قائمة على الجبروت، حيث تتحكم قلة في مصير الكوكب، وتختزل المنطقة إلى فضاء منزوع الإرادة. حيث أنظمة قابلة للضبط، وشعوب تحت السيطرة، وأي مقاومة إما تسحق أو تعزل.

وفي هذا السياق، تلعب إسرائيل دورا محوريا، إذ تسعى لترسيخ فكرة أن أي تحد سواء في غزة أو طهران أو كاراكاس، له ثمن باهظ. وما يحدث ليس مجرد حرب مواقع، بل حرب نموذج، وهذا النموذج إذا نجح في غزة، يمكن تعميمه على مناطق أخرى.

وعندما يتم جمع دول مختلفة ضمن قائمة واحدة، رغم اختلاف سياقاتها، فإن ذلك يؤكد أن المنطق ليس جغرافيا، بل سياسي.  بل كل دولة تدعم فلسطين، أو تحافظ على استقلال قرارها، أو تزعج السردية الغربية، تصنف ضمن المعسكر نفسه.

ولهذا، لم يكن طرح إدي كوهن عشوائيا، بل جاء بثقة ووضوح، كترجمة مباشرة لهذا المنطق الذي بات يحكم المشهد الدولي.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *