رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
تكشف الوثيقة المعنونة بـ)اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل( عن تحول نوعي في مقاربة الدولة السورية لملف المناطق الخارجة سابقا عن سيطرتها، إذ لا يمكن قراءتها كتفاهم أمني مؤقت أو تسوية ظرفية بقدر ما تمثل خارطة طريق متكاملة لإعادة بسط السيادة المركزية على شرق الفرات والحسكة ودير الزور. فهي أقرب إلى صيغة استيعاب سياسي/عسكري لقوة أمر واقع منه إلى اتفاق سلام متكافئ بين طرفين مستقلين، وتعكس اختلالًا واضحا في موازين القوة لصالح دمشق وحلفائها.
من حيث بنيتها ومضمونها، تقوم الاتفاقية على إعادة تفكيك البنية العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية بشكل شبه كامل، عبر وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب التشكيلات المسلحة من مناطق نفوذها، ثم دمج عناصرها بعد تدقيق أمني داخل وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين. وبهذا تنتقل قسد من موقع الفاعل العسكري المستقل إلى مجرد مورد بشري داخل مؤسسات الدولة، فاقدة لقرارها العسكري والسيادي، وهو ما ينهي عمليا أي وضع استثنائي أو ذاتي كانت تفرضه على الأرض.
إداريا ومؤسساتيا، تتجه الاتفاقية إلى تفكيك نموذج اللامركزية الذي حكم مناطق قسد طوال سنوات، عبر تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن الهياكل الرسمية للدولة، مع تعيين محافظ بمرسوم رئاسي. ورغم الحديث عن تمثيل محلي، فإن جوهر هذا المسار يعيد إنتاج النموذج المركزي التقليدي للدولة السورية، ويضع حدا لأي تصور لحكم ذاتي فعلي، مكتفيا بإشارات شكلية لا ترقى إلى اعتراف سياسي بمشروع الإدارة الذاتية.
اقتصاديا وسياديا، يشكل تسليم حقول النفط والغاز والمعابر أحد أثقل بنود الاتفاق وزنا من الناحية الاستراتيجية. فهذا البند لا يسحب من قسد أهم أوراق قوتها فحسب، بل يعيد إلى الدولة السورية موردا اقتصاديا حيويا طالما شكل عنصر ضغط ومساومة في الصراع. كما أنه يحد من هامش المناورة الأمريكية في الشرق السوري، ويضعف قدرتها على استخدام الملف الاقتصادي كورقة تأثير في مستقبل التسوية.
أما في ما يتعلق بالملفات الحساسة، ولا سيما سجون ومخيمات تنظيم داعش، فإن نقل هذه المسؤولية إلى الحكومة السورية يمثل تحولًا بالغ الدلالة. فمن جهة، يعيد تأهيل دمشق دوليا بوصفها شريكا أمنيا لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب، ومن جهة أخرى يحملها أعباء قانونية وحقوقية معقدة، تتصل بالمقاتلين الأجانب والمخيمات المكتظة، وما يرافق ذلك من ضغوط دولية محتملة.
في القراءة السياسية العميقة، تبدو قسد الخاسر الاستراتيجي الأبرز في هذا الاتفاق؛ إذ فقدت السيطرة على السلاح والأرض معا، وجرى احتواؤها داخل بنية الدولة دون أي اعتراف سياسي حقيقي بمشروعها أو رؤيتها. وما حدث لا يمكن توصيفه كشراكة، بل كاندماج قسري ناعم فرضته موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية. في المقابل، يحقق النظام السوري مكاسب متعددة: استعادة السيادة دون خوض معركة كبرى، استرجاع الموارد، تفكيك آخر مشروع حكم ذاتي فعلي، وتعزيز موقعه التفاوضي إقليميا ودوليا، بما يخدم سرديته الأساسية القائمة على أن الدولة انتصرت دون تقديم تنازلات سياسية.
إقليميا ودوليا، يحمل الاتفاق رسائل متباينة؛ فتركيا ستنظر إليه بإيجابية من زاوية تفكيك البنية العسكرية لقسد، والولايات المتحدة يبدو أنها أمام مؤشر إضافي على انكفاء أو إعادة تموضع في الشرق السوري، بينما تبرز روسيا بوصفها المستفيد الأكبر والضامن غير المعلن لمسار يعزز نفوذ حليفها في دمشق.
مع ذلك، لا يخلو الاتفاق من نقاط إشكال ومخاطر حقيقية، أبرزها غياب ضمانات دولية مكتوبة، وغموض مصير القيادات السياسية لقسد، فضلا عن هشاشة التنفيذ في حال تغير التوازن الدولي. كما أن إدماج آلاف المقاتلين داخل مؤسسات أمنية منهكة قد يولد توترات داخلية ويخلق بؤر احتكاك مستقبلية.
في المحصلة، تمثل هذه الوثيقة نهاية مرحلة الحكم الذاتي الكردي بصيغته العسكرية/الإدارية، وتؤسس لعودة الدولة السورية باعتبارها الإطار الوحيد للسيادة. وهي أقرب إلى اتفاق قوة واستسلام منظم مغطّى بلغة سياسية هادئة، أكثر من كونها نموذجا لمصالحة أو اندماج متكافئ، ما يجعلها محطة فاصلة في مسار الصراع السوري، لكنها ليست بالضرورة نهاية لتداعياته أو لتوتراته الكامنة.
Share this content:






















Leave a Reply