رصدالمغرب / عبدالكبير بلفساحي
لم تعد الفضائح المرتبطة ببعض المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين مجرد أحداث معزولة أو استثناءات عابرة، بل أصبحت مشهدا متكررا يثير الاستياء ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فمن ملفات حيازة العقارات الفاخرة خلال فترات الولاية، إلى شبهات تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، تتراكم الوقائع والتصريحات بطريقة تجعل الشباب يعيدون النظر في معنى العمل السياسي وجدواه.
كيف يمكن إقناع الأجيال الجديدة بأن السياسة رسالة ومسؤولية لخدمة الصالح العام، بينما الصورة المتداولة توحي بأن المناصب قد تحولت لدى البعض إلى ممر سريع نحو الثروة والنفوذ؟ يبدأ الحديث بوزير أثار الجدل بعدما تم تداول قضية تفويت فيلا بمبالغ ضخمة لزوجته، ويمر عبر رئيس حكومة لاحقته تساؤلات واسعة بشأن تضارب المصالح وشبهات الاغتناء، وصولا إلى وزير اختار الصمت بينما تتردد معطيات حول اقتناء عقار فاخر بمبالغ نقدية كبيرة وتشييد إقامة فارهة. وما خفي، في نظر الرأي العام، يبدو أعظم، واللائحة طويلة بما يكفي لتغذية الإحباط الجماعي.
إن أخطر ما تخلفه هذه الوقائع ليس فقط الجدل القانوني أو السياسي، بل الأثر النفسي والاجتماعي العميق على الشباب. فبدل أن توجه الطاقات نحو الانخراط في تدبير الشأن المحلي والعام، والمساهمة في الإصلاح والتغيير، تصبح الرسالة الضمنية التي يتلقاها كثيرون واضحة ومؤلمة، حيث الثراء هو العنوان، والسياسة مجرد وسيلة.
ويزداد هذا الاحتقان حين تصدر تصريحات منفصلة عن الواقع، كتلك التي أثارت موجة واسعة من السخرية والغضب بعدما صرح أحد الوزراء بأن العامل البسيط يتقاضى 400 درهم وينصرف منتصف النهار في مدينة تارودانت. تصريح تحول سريعا إلى مادة للتندر عبر وسم ساخر، بعدما تساءل المغاربة إن كانت تارودانت قد أصبحت “إلدورادو المغرب”، حيث الأجور المرتفعة والعمل المريح، كما صورها الوزير الشاب في أعين الناس. لكن الواقع المعيشي القاسي، وارتفاع الأسعار، وهشاشة فرص العمل، سرعان ما فضحت الفجوة الصادمة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن يوميا.
إن الإصرار على تقديم صورة وردية منفصلة عن الواقع، والتقليل من معاناة الناس، لم يعد يقنع أحدا. بل بات يقرأ لدى فئات واسعة من المغاربة باعتباره شكلا من أشكال النفاق السياسي، ومحاولة لتزييف الوعي وتجميل واقع مأزوم. والأسوأ من ذلك، أن المواطن يعامل أحيانا وكأنه غير قادر على الفهم أو التمييز، وكأن ذاكرته قصيرة، أو أن حاجاته اليومية ستجعله يتغاضى عن كل شيء.
لقد أصبح كثير من المغاربة يشعرون بأنهم مجرد رقم انتخابي يستدعى عند الحاجة، ثم يترك لمواجهة الغلاء والتهميش والوعود المؤجلة. أما الحديث عن المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات، فإنه يظل شعارا أجوف ما لم يقرن بالمحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة فعلا لا قولا.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس فقط فقدان الثقة في السياسيين، بل اقتناع الشباب بأن النجاح لا يمر عبر الكفاءة والعمل والمواطنة، بل عبر النفوذ والموقع والاقتراب من دوائر القرار. حينها، لا تصبح الأزمة أزمة فضائح فقط، بل أزمة قيم تهدد فكرة السياسة نفسها، وتحولها من فضاء لخدمة الوطن إلى سوق مفتوح للمصالح الخاصة.
شارك المقال























Leave a Reply