غموض تكتيكي ورسائل القوة الخفية في عودة قاآني

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي


في لحظة بدت كأنها تقلب موازين السرديات السائدة، خرج إسماعيل قاآني من دائرة الغياب التي أحاطت به مؤخرا، بعد موجة من التكهنات التي تحدثت عن تراجعه أو حتى إقصائه داخل طهران. غير أن هذا الظهور لم يكن عاديا أو بروتوكوليا، بل حمل في طياته إشارات عميقة أعادت طرح الأسئلة بدل أن تغلقها.

ما جرى لا يمكن اختزاله في مجرد نفي غير مباشر للشائعات، بل يوحي بأن الغياب ذاته قد يكون جزءا من مقاربة محسوبة، هدفها إرباك الخصوم وإعادة تشكيل تقديراتهم. فالصمت هنا لا يبدو دليلا على الضعف، بقدر ما يمكن قراءته كأداة ضمن إدارة معقدة للمشهد، ربما استخدمت لاختبار الاختراقات أو تمرير تحركات بعيدا عن الرصد.

توقيت الظهور تحديدا يضيف بعدا آخر؛ إذ بدا كأنه رسالة تتجاوز الشكل إلى المضمون، تعكس قدرا من الثقة في إدارة الصراع، وتلمح إلى أن ما يدور خلف الكواليس أوسع بكثير مما يظهر في الواجهة. أما على مستوى الخطاب، فقد حملت تصريحات قاآني دلالات استراتيجية واضحة، خصوصا حين شدد على استقلالية قرار ما يعرف بجبهة المقاومة. هذه الإشارة تعيد صياغة الصورة النمطية التي طالما رسمت حول تبعية مطلقة، وتقدم بدلا منها تصورا لشبكة مترابطة تعمل بمنطق جماعي، قادرة على الاستمرار والتكيف حتى في غياب القيادات.

في المقابل، فإن حديثه عن “مفاجآت” وقعت خلال الحرب ولم يكشف عنها بعد، يفتح بابا واسعا للقلق في الأوساط التحليلية، إذ يوحي بوجود أحداث أو عمليات لم تفهم بالكامل حتى الآن، ما يضع الأجهزة الاستخباراتية أمام تحد متجدد في قراءة ما جرى واستشراف ما سيأتي.

كل ذلك يعكس تحولا ملحوظا في طبيعة الصراع، فلم يعد محصورا في المواجهات المباشرة، بل بات يعتمد بدرجة أكبر على إدارة الغموض وتوظيف المعلومات كسلاح مواز في تأثيره للقوة العسكرية. وبين ترقب دولي لما تحمله المرحلة المقبلة، يبقى السؤال المفتوح، هو هل كان الغياب مجرد مناورة تكتيكية ناجحة، أم أن ما خفي لا يزال أكبر مما يمكن استيعابه في صراع تتبدل قواعده باستمرار؟

Share this content:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *