رصد المغرب / مراد مجاهد
ليس كل ما يصور حقيقة، وليس كل ما يبث تحقيقا. بين الفعلين مسافة دقيقة لا تقاس بالكاميرا، بل بالنية والمنهج. وحين تتوارى هذه المسافة، لا نكون أمام كشف للواقع، بل أمام إعادة تشكيله وفق سيناريو مسبق، يلبس الاحتمال ثوب اليقين، ويقدم الاستثناء على أنه قاعدة. في هذا السياق يطل برنامج “خارج التغطية” في حلقته الأولى، الذي تبثه منصة “إعلام تي في”، ليضعنا أمام سؤال لا يتعلق بقطاع النقل بقدر ما يتعلق بحدود الفعل الصحفي نفسه: هل ما نراه توثيق لواقع، أم صناعة لواقعة؟
الواقعة كما عرضت تبدو بسيطة في ظاهرها. صحفية تتقمص صفة زبونة، تطلب خدمة من سائق، تفاوضه، ثم تخرج النتيجة للرأي العام باعتبارها مؤشرا على خلل. غير أن بساطة الصورة تخفي تعقيدا قانونيا وأخلاقيا لا يمكن القفز عليه، لأن الطلب ذاته، في سياقه، لم يكن بريئا، بل كان محملا بمعرفة مسبقة بطبيعة النشاط وحدوده القانونية، وموجها نحو اختبار رد فعل داخل وضعية غير عادية. هنا لا يعود السؤال: ماذا قال السائق؟ بل: كيف وضع في هذا الموضع أصلا؟ وهل كان سيتصرف على النحو ذاته لو لم يدفع إلى ذلك دفعا ناعما عبر المقارنة والضغط والإيحاء؟ وحين نفهم أن هذا التسجيل لم يكن لحظة عابرة، فإننا لا نكون أمام صدفة، بل أمام بناء متدرج لواقعة مراد لها أن تثبت ما سبق افتراضه.
الصحافة، حين تستعمل الكاميرا الخفية، لا تعفى من عبء الإثبات الأخلاقي. فالأصل أن يلتجأ إليها استثناءا، عند تعذر الوسائل الأخرى، وفي قضايا تمس مصلحة عامة واضحة لا لبس فيها. أما حين تتحول إلى أداة لاختبار سلوك الأفراد داخل مواقف مصطنعة، فإنها تنزلق من موقع “الكشف” إلى موقع “الإيقاع”، ومن دور الشاهد إلى دور الفاعل. وهذا التحول، وإن بدا تقنيا، يمس جوهر الثقة التي يقوم عليها العمل الإعلامي، لأن الجمهور، حين يكتشف أن ما عرض عليه لم يكن واقعا خالصا، بل واقعا مهندسا عبر تجربة وتوجيه، يفقد معيار الحكم، ويصبح كل شيء قابلا للشك، حتى ما كان صادقا في أصله.
ثم إن الفضاء الذي جرى فيه التصوير، في تجارب أخرى، ليس ساحة عمومية مفتوحة، بل حيز مهني شبه مغلق، تمارس فيه الخدمة في إطار علاقة مباشرة بين طرفين. إن إدخال كاميرا خفية إلى هذا الفضاء، دون علم أحد الطرفين، وفي سياق مبني على الاستدراج لا على التفاعل العفوي، يثير مسألة تتجاوز الأخلاق إلى القانون، وتلامس مقتضيات حماية الحياة الخاصة كما ينظمها التشريع الجنائي، ولا سيما ما يرتبط بالتسجيل دون موافقة كما يؤطره الفصل 447-1 من القانون الجنائي المغربي. وليس المقصود هنا الاحتماء بنصوص جامدة، بل التذكير بأن حرية الصحافة، في فلسفتها، لا تبنى على انتهاك حرية الآخرين، بل على التوازن الدقيق بين الحق في الإخبار والحق في الكرامة.
الأخطر من ذلك أن الخطاب الذي رافق هذا “الاختبار” وهذه التجارب لم يكن محايدا بالكامل، بل تخللته إشارات مقارنة بنماذج نقل تشتغل في منطقة رمادية خارج التأطير القانوني، بما يحمل في طياته ضغطا ضمنيا على السائق، ويدفعه إلى إعادة تموقعه داخل لحظة تفاوضية مشحونة. هنا لا نكون فقط أمام نقل لقول، بل أمام توجيهٍ لسلوك. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين صحفي يراقب، وصحفي يشارك في تشكيل ما يراقبه. هذا الفارق، وإن بدا خفيا، هو ما يحدد مشروعية العمل من عدمه، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع منظم بنصوص واضحة لا تحتمل هذا النوع من الخلط بين القانوني وغير القانوني.
أما الصورة التي خرج بها المشاهد، فهي صورة مركبة من حالات منتقاة، قدمت في سياق تقييمي يختزل قطاعا بأكمله في لقطات محدودة. لا أحد ينكر وجود اختلالات، ولا أحد يدعي الكمال، لكن تحويل الجزئي إلى كلي، وتقديم الاستثناء باعتباره القاعدة، هو في حد ذاته نوع من عدم الإنصاف، لأن الحقيقة، في مثل هذه القطاعات الحية، ليست خطا مستقيما، بل طيف واسع من الممارسات، فيه الملتزم كما فيه المخالف، وفيه من يحاول الإصلاح من الداخل بصمت، عبر الامتثال للقانون وإشهار التسعيرة واحترام الزبون، دون كاميرا ولا ضوء.
من هنا، فإن الخطاب لا يوجّه إلى أشخاص بقدر ما يوجّه إلى مسؤولية. إلى السيد “أشرف بلمودن” بصفته مدير نشر، لا باعتباره خصما، بل باعتباره مؤتمنا على خط تحريري نعرف مرجعيته القانونية وحدوده المهنية، ونفترض فيه القدرة على التمييز بين الجرأة المطلوبة والانزلاق غير المحسوب. فحرية التعبير، في معناها العميق، ليست حقا في قول كل شيء، بل مسؤولية في قول ما ينبغي، بالطريقة التي لا تسلب الآخر حقه في أن يفهم كما هو، لا كما يراد له أن يظهر.
وعليه، فإن أبسط ما يفرضه هذا النقاش، في حدوده المهنية، هو فتح مساحة لحق الرد، وتمكين صوت المهنيين المعنيين من عرض وجهة نظرهم في نفس المنبر وبنفس الشروط، أو إعادة النظر في المحتوى موضوع الجدل بما يرفع عنه شبهة الإخلال بالتوازن. ونحن، من موقعنا كمهنيين، لا نطلب منبرا للمواجهة، بل مساحة للنقاش المؤطر، المستند إلى مرجعية قانونية واضحة، نبين من خلالها أن الإشكال لا يعالج بالاستدراج، ولا بالمقارنة مع نماذج تشتغل خارج القانون، بل بتطبيق النصوص القائمة وتأطير الممارسة داخل حدودها المشروعة.
فالمؤسسة الإعلامية القوية لا تقاس فقط بقدرتها على النشر، بل بقدرتها على المراجعة حين يقتضي الأمر، وعلى تصحيح المسار دون أن ترى في ذلك تراجعا، بل ترسيخا لمصداقيتها. لأن المسألة، في النهاية، لا تتعلق بسائق أو برنامج، بل بصورة أوسع: أي إعلام نريد؟ إعلاما يكشف الواقع كما هو، أم إعلاما يعيد تشكيله ليوافق فرضياته؟ بين الخيارين خيط رفيع، لكن عبوره يغير كل شيء.
شارك المقال























Leave a Reply