“شبح بلا وجه” كيف تضرب جماعات الظل أوروبا وتختفي قبل أن ترى؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


لم تكن موجودة بالأمس، لكنها اليوم في صدارة أخطر التهديدات الأمنية التي تقلق أوروبا. “حركة أصحاب اليمين”، اسم غامض لجماعة ظهرت فجأة، تبنت سلسلة هجمات منسقة استهدفت مؤسسات ومعابد يهودية في بلجيكا وهولندا واليونان، قبل أن تمتد ضرباتها إلى أحد أبرز التجمعات اليهودية شمال لندن.

لكن ما يميز هذه الجماعة ليس فقط طبيعة الأهداف، بل الأسلوب غير المألوف الذي تعمل به. فبحسب التحقيقات الأولية، لا تعتمد الحركة على بنية تنظيمية تقليدية، ولا على قيادات واضحة، بل على نموذج جديد أكثر خطورة، وهو تجنيد منفذين مؤقتين عبر الشبكة المظلمة دارك ويب (Dark Web)، من مجرمين عاديين، ومهربي مخدرات، وسجناء سابقين، يتم استقطابهم لتنفيذ عمليات تخريبية مقابل مبالغ زهيدة، دون أي ارتباط مباشر أو طويل الأمد.

هذا النموذج الذي يصفه خبراء الأمن بـ”القميص المحروق” يقوم على إنشاء مجموعات تستخدم لمرة واحدة فقط. تظهر لتنفيذ مهمة محددة، تترك أثرا نفسيا وإعلاميا واسعا، ثم تختفي تماما، لتعود لاحقا باسم جديد وهوية مختلفة. لا أثر ولا هيكل ولا حتى خيط يمكن تتبعه بسهولة.

حتى الرمزية التي تعتمدها الحركة تحمل رسائل مشفرة، شعارها الذي نشر عبر قناة على تيليجرام يظهر ذراعا يحمل بندقية قنص روسية من طراز “دراغونوف” فوق الكرة الأرضية، في إشارة واضحة إلى احتراف عسكري وقدرة على الضرب في أي مكان.

في خضم هذا الغموض، بدأت أصابع الاتهام تتجه نحو إيران. فقد وضعت الشرطة البريطانية طهران ضمن دائرة الشبهة، مشيرة إلى تحول تكتيكي لافت في أساليب العمليات المرتبطة بها. كما أعلن كل من جهازي الأمن البريطانيين MI5 وMI6 أنهما أحبطا نحو 20 مخططا تخريبيا يشتبه بارتباطها بإيران منذ عام 2020، مع تصاعد ملحوظ في وتيرة هذه الأنشطة خلال الأسابيع الأخيرة تزامنا مع التوترات في الشرق الأوسط.

ورغم ذلك، لا يزال السؤال الأكبر بلا إجابة، وهو هل “حركة أصحاب اليمين” كيان حقيقي؟ أم مجرد واجهة استخباراتية؟ أم أنها شكل جديد من “اللامركزية الإجرامية” التي يصعب ضبطها أو احتواؤها؟ فما هو مؤكد، هو أن التهديد لم يعد نظريا، فأوروبا اليوم أمام نمط جديد من الحروب غير التقليدية، وهي حرب بلا جيوش، وبلا حدود، وبلا هوية واضحة. حرب تدار عبر الظلال، وتنفذ بأيد لا تعرف من يخدمها.

السؤال الذي يؤرق أجهزة الأمن الآن، ليس فقط من يقف وراء هذه الجماعة؟ بل الأخطر هو كيف يمكن إيقاف كيان لا وجود ثابت له؟ وكيف يمكن اصطياد شبح؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *