من يحرس الحقوق؟ سؤال المدافع الحقوقي في زمن المأسسة والاحتراف

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

اتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور محمد حقيقي، المدير التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، الذي كان لفكره وتأطيره الفضل في بلورة هذا التقسيم المنهجي الرصين بين أدوار الفاعلين في الحقل الحقوقي. إن هذا التمييز ليس مجرد ترف فكري، بل هو أداة تحليلية ضرورية لفهم مالات الحركة الحقوقية في سياقها المعاصر.

غالبا ما يستعمل مصطلح (الحقوقي) بصورة عامة تشمل الجميع، بينما الواقع يكشف عن تمايزات عميقة بين الفاعلين في هذا المجال. ومن هنا تبرز أهمية التمييز الذي طرحه الدكتور محمد حقيقي بين (الناشط الحقوقي) و(المدافع الحقوقي)، باعتباره تمييزا يتجاوز الجانب اللغوي إلى مستوى الوظيفة والأدوار وطبيعة العلاقة مع الانتهاكات ومصادر الخطر.

فالناشط الحقوقي يشتغل أساسا في فضاء التوعية والتأثير الرمزي والثقافي. إنه يساهم في نشر ثقافة حقوق الإنسان، وينظم الندوات واللقاءات، ويشارك في الحملات الإعلامية، ويكتب التقارير والدراسات، ويسعى إلى التأثير في الرأي العام وصناع القرار. وهذا الدور مهم وأساسي، لأن الحقوق لا يمكن أن تتحول إلى مطالب مجتمعية دون وجود من ينشر الوعي بها ويحولها إلى جزء من النقاش العمومي. غير أن هذا المستوى من العمل يظل في كثير من الأحيان ضمن دائرة التأثير غير المباشر، حيث يكون الهدف هو تشكيل الوعي وإنتاج الخطاب أكثر من التدخل المباشر في حالات الانتهاك.

أما المدافع الحقوقي فيوجد في موقع مختلف تماما. فهو لا يكتفي بالحديث عن الحقوق أو التوعية بها، بل ينخرط بشكل مباشر في حماية أصحابها والدفاع عنهم. إنه الشخص الذي يرافق الضحايا، ويوثق الانتهاكات،  ويواجه السلطات أو الجماعات النافذة أو مختلف الأطراف المسؤولة عن المساس بالحقوق. ولذلك فإن المدافع الحقوقي يتحمل عادة مستويات أعلى من المخاطرة، قد تصل إلى الاعتقال أو التضييق أو التشهير أو فقدان العمل أو حتى التصفية الجسدية في بعض السياقات. لهذا السبب اكتسب مفهوم المدافع عن حقوق الإنسان مكانة خاصة في الأدبيات الدولية، وأصبح يحظى باعتراف قانوني وسياسي مستقل، لأنه يشير إلى أشخاص لا يكتفون بالدعوة إلى الحقوق بل يدفعون أثمانا شخصية في سبيل حمايتها.

ومن خلال هذا المنظور يمكن إعادة النظر في واقع الحقل الحقوقي المغربي. فالملاحظة التي يثيرها هذا التمييز تتمثل في أن جزءا مهما من العمل الحقوقي بالمغرب أصبح يميل أكثر نحو النشاط الحقوقي منه إلى الدفاع الحقوقي بالمعنى المباشر للكلمة. فالحضور المكثف للبيانات والتقارير والندوات والمداخلات الإعلامية يعكس حيوية فكرية ونقاشية لا يمكن إنكارها، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول حجم الانخراط الميداني المباشر في قضايا الضحايا والفئات الهشة ومناطق الاحتجاج والنزاعات الاجتماعية. بمعنى اخر، هل أصبح العمل الحقوقي ينتج خطابا حول الحقوق أكثر مما ينتج اليات عملية لحمايتها؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر إذا استحضرنا التحولات التي عرفها الحقل الحقوقي عالميا خلال العقود الأخيرة. فقد انتقلت الحركة الحقوقية في كثير من البلدان من كونها حركة احتجاجية وصدامية إلى قطاع مؤسساتي ومهني يعتمد على المشاريع والتمويلات والتقارير والتكوينات المتخصصة. وقد وفر هذا التحول إمكانات مهمة للتراكم المعرفي والمؤسساتي، لكنه أدى أيضا إلى نوع من الابتعاد عن الميدان وعن أشكال النضال المباشر التي ميزت الأجيال الأولى من المدافعين عن الحقوق. وهكذا أصبح من الممكن أن نجد فاعلين يمتلكون خبرة كبيرة في الخطاب الحقوقي دون أن تكون لهم تجربة مباشرة في مرافقة الضحايا أو مواجهة الانتهاكات على الأرض.

وعندما ننظر إلى التجارب العالمية الكبرى في مجال حقوق الإنسان، نجد أن أبرز الرموز الحقوقية لم تكتسب مكانتها بسبب قدرتها على إنتاج الخطاب فقط، بل بسبب استعدادها لتحمل كلفة الدفاع عن الحقوق. فقد ارتبط اسم Martin Luther King Jr. بالنضال الميداني ضد التمييز العنصري وما تعرض له من اعتقالات وتهديدات قبل اغتياله، كما ارتبط اسم Nelson Mandela بسنوات طويلة من السجن في مواجهة نظام الفصل العنصري، بينما دفعت Berta Caceres حياتها ثمنا لدفاعها عن حقوق السكان الأصليين، وتحولت Narges Mohammadi إلى رمز عالمي بسبب الاعتقالات المتكررة التي تعرضت لها. هذه النماذج توضح أن جوهر الدفاع الحقوقي لا يقاس بحجم الحضور الإعلامي، بل بمستوى الالتزام العملي والاستعداد لتحمل تبعاته.

وفي الحالة المغربية يمكن استحضار أسماء مثل Abraham Serfaty وDriss Benzekri وغيرهما ممن ارتبطت تجربتهم بمعاناة شخصية مباشرة مع الاعتقال أو النفي أو التضييق خلال فترات التوتر السياسي. فهؤلاء لم يكونوا مجرد منتجين للخطاب الحقوقي، بل كانوا جزءا من التجربة التي أنتجت ذلك الخطاب. كما أن تاريخ الحركة الحقوقية المغربية ارتبط أيضا بعائلات المختفين قسرا والمعتقلين السياسيين الذين خاضوا معارك طويلة من أجل الحقيقة والإنصاف، وهي معارك جسدت المعنى العملي للدفاع عن الحقوق أكثر مما جسدته النصوص والبيانات.

.

ومن هنا يبرز السؤال النقدي الأهم: هل استطاع الحقل الحقوقي المغربي أن يحافظ على التوازن بين المعرفة والتعبئة والدفاع الميداني، أم أن مسار المأسسة والاحتراف قد دفعه تدريجيا نحو النشاط الرمزي على حساب الحضور المباشر إلى جانب الضحايا؟ إنه سؤال يتجاوز الأشخاص والتنظيمات ليمس مستقبل العمل الحقوقي نفسه، لأن الحقوق لا تحمى بالخطاب وحده، كما أنها لا تدافع عنها المواجهة وحدها، بل تحتاج إلى تفاعل مستمر بين الفكر والميدان، وبين التوعية والحماية، وبين النشاط والدفاع. وفي هذا المعنى تكتسب ملاحظة الدكتور محمد حقيقي أهميتها، لأنها تدفعنا إلى إعادة التفكير في طبيعة الفاعل الحقوقي ودوره الحقيقي داخل المجتمع، وفي مدى قدرة الحقل الحقوقي على الانتقال من مجرد الحديث عن الحقوق إلى الإسهام الفعلي في صونها وحمايتها.

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *