فقه السنن الربانية(6) سورة الروم… كيف يعلمنا القرآن قراءة الحروب الكبرى؟

رصد المغرب/محمد بنعياد* 

حين تندلع الحروب الكبرى، ينشغل الناس عادةً بمتابعة أخبار الجبهات، وحركة الجيوش، والتحالفات العسكرية، وتقلبات الأسواق، بينما يحاول الباحثون تفسير ما يجري من خلال موازين القوة والمصالح الدولية، غير أن القرآن الكريم يدعونا إلى مستوى آخر من الفهم؛ فهو لا يكتفي بوصف الوقائع، وإنما يكشف عن السنن التي تحكم حركة التاريخ، حتى يصبح الحدث وسيلةً لفهم القانون، لا مجرد خبر يُروى.

ومن أعظم النماذج القرآنية في هذا الباب مطلع سورة الروم، حيث قال الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾فالقرآن لم يورد هذا الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية لمجرد تسجيل واقعة تاريخية، وإنما ليعلِّم المؤمنين كيف يقرؤون التحولات الكبرى في ضوء الهداية الإلهية.

لقد كانت الحرب بين الروم والفرس حربًا طويلة أنهكت الطرفين، واستنزفت مقدراتهما العسكرية والاقتصادية والبشرية، ومع أن كل طرف كان يسعى إلى تحقيق الغلبة على الآخر، فإن النتيجة لم تقتصر على تبدل ميزان القوة بينهما، بل أسهمت أيضًا في إعادة تشكيل البيئة الدولية التي ظهرت فيها الدولة الإسلامية الفتية، حتى وجدت أمامها عالمًا يختلف كثيرًا عن العالم الذي سبق تلك الحروب.

ولا يعني ذلك أن الفتوحات الإسلامية كانت نتيجة مباشرة لاستنزاف القوتين؛ فالنصر في المنظور القرآني فضل من الله، يقوم على الإيمان، والإعداد، والأخذ بالأسباب، غير أن السنن تعلمنا أن الحروب الممتدة قد تُحدث تحولات عميقة في موازين القوى، وتفتح مسارات جديدة في التاريخ، لا تكون ظاهرة في بدايات الصراع.

وهنا تتجلى قيمة فقه السُّنن الربانية؛ فهو لا ينشغل بتعداد المعارك والانتصارات والهزائم، وإنما يبحث عن القوانين التي تتكرر في حركة الأمم، ومن هذه القوانين أن الصراعات الطويلة قد تُضعف جميع الأطراف، وأن موازين القوى ليست ثابتة، بل تتغير بتغير الأسباب والظروف التي تحكمها.

وإذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، وجدنا أن العالم يعيش منذ سنوات على وقع حروب وصراعات ممتدة، كان لها أثر بالغ في إعادة تشكيل المشهد الدولي، فالحرب الروسية الأوكرانية لم تقتصر آثارها على طرفي النزاع، بل امتدت إلى أوروبا والولايات المتحدة، وأثرت في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، وأعادت النقاش حول الأمن والتحالفات وموازين الردع.

وفي الشرق الأوسط، أدت الصراعات المتلاحقة إلى استنزاف قوى إقليمية ودولية، وإلى انخراط أطراف متعددة في ساحات متشابكة، مما جعل آثارها تتجاوز حدود الدول المعنية لتطال الاقتصاد العالمي، وطرق التجارة، والاستقرار الإقليمي، وهذه الوقائع، على اختلاف تفاصيلها، تذكرنا بأن الحروب الكبرى لا تنتهي عند حدود ساحات القتال، بل تمتد آثارها إلى بنية النظام الدولي نفسه.

غير أن الباحث في السنن الربانية لا يتعجل إصدار الأحكام، ولا يدّعي معرفة الغيب، وإنما يستقرأ ما يظهر من سنن الله في الاجتماع الإنساني، ويُدرك أن تحقق السنن في واقع معين يتوقف على اجتماع أسبابها، واكتمال شروطها، وانتفاء موانعها، فالسنن تهدي إلى الفهم، لكنها لا تمنح الإنسان علمًا بالغيب، ولا تبيح له الجزم بمآلات الأحداث قبل وقوعها.

ولهذا فإن قراءة الحروب في ضوء القرآن لا تعني البحث عن تطابق بين الماضي والحاضر، وإنما تعني استلهام المنهج القرآني في فهم حركة التاريخ، فالوقائع تختلف، أما السنن فثابتة؛ وتتغير صورها بتغير الأزمنة والأمكنة، دون أن تتبدل القوانين التي أودعها الله في حياة الأمم.

ومن هنا، فإن المطلوب من الأمة اليوم ليس الانشغال بمتابعة الأحداث فحسب، وإنما بناء عقلٍ سنني يربط بين الوقائع وأسبابها، ويقرأ التحولات بعين القرآن، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع في إطلاق الأحكام، فذلك أدعى إلى حسن الفهم، وأقرب إلى الرشد في بناء المواقف.

ويبقى أن ندرك أن الحروب الكبرى لا تحكمها سنة واحدة، بل تتداخل فيها سنن متعددة؛ من التدافع، والتداول، والابتلاء، والتمحيص، والإملاء، والاستبدال، وغيرها من السنن التي تكشف عن حكمة الله في تدبير الأمم، ومن هنا، فإن فهم الأحداث المعاصرة لا يكتمل بالنظر إلى سنة واحدة، بل يقتضي استحضار تداخل السنن وتفاعلها، وهو ما سنحاول بيانه في المقالة القادمة من خلال قراءة سننية لأحد أبرز أحداث عصرنا.

محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط

هذه المقالة هي السادسة ضمن سلسلة: “فقه السُّنن الربانية: قراءة قرآنية في الواقع المعاصر”

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *