“حزب الاستقلال” من حزب المبادئ إلى حزب أصحاب الشكارة

رصد المغرب /


ليس من السهل أن تكتب عن حزب الاستقلال وكأنك تكتب عن حزب عادي. فهذا الحزب ليس مجرد رقم في الخريطة الحزبية المغربية، ولا مجرد علامة انتخابية تظهر كل خمس سنوات على أوراق الاقتراع. إنه حزب ارتبط اسمه بتاريخ طويل من مقاومة الاستعمار، وقدم مناضلون من أبنائه التضحيات والاعتقال والنفي والمطاردة، وارتبط اسمه برجال ونساء آمنوا بأن السياسة ليست مهنة للارتزاق، وإنما مسؤولية وتضحية وانتماء.

حزب علال الفاسي ورفاقه لم يكن في بداياته يبحث عن من يملك المال لكي يترشح، وإنما كان يبحث عن من يملك الاستعداد لكي يدفع ثمن الانتماء والنضال. ولهذا بالضبط يصبح السؤال اليوم أكثر إزعاجا، وهو ماذا بقي من حزب الاستقلال ؟

إن السؤال ليس موجها إلى تاريخ الحزب، ولا إلى مناضليه القدامى، ولا إلى العائلات التي توارثت الانتماء إليه جيلا بعد جيل. هؤلاء لا يحتاجون إلى شهادة في الوطنية من أحد. بعضهم حمل اسم الحزب في البيت قبل أن يعرف معنى الانتخابات، وبعض العائلات عاشت الحزب باعتباره جزءا من ذاكرتها السياسية والاجتماعية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يجد المناضل الاستقلالي نفسه أمام شخص لم يعرف هياكل الحزب، ولم يشارك في مؤتمراته، ولم يناضل في صفوفه، ولم يعش سنواته الصعبة، ثم يظهر فجأة مرشحا باسم الحزب. وهنا يصبح السؤال مشروعا، وهو هل أصبح حزب الاستقلال يحتاج إلى أصوات المناضلين، أم أصبح يحتاج إلى جيوب المرشحين؟

وهنا، نتحدث عن مدينة سلا تحديدا، لأن ما يجري في بعض الدوائر الانتخابية لا يمكن أن يمر باعتباره مجرد اختيار تنظيمي عابر. حيث حين يتم تقديم أسماء لا يعرفها الاستقلاليون الحقيقيون باعتبارهم مرشحين باسم حزب عريق، فإن المسألة لا تتعلق فقط بشخص المرشح، وإنما بصورة الحزب نفسه.

إن الترشيح ليس إعلانا تجاريا، والحزب السياسي ليس شركة تبحث عن وكلاء انتخابيين، والتزكية ليست شهادة حسن سيرة انتخابية تمنح لمن يستطيع أن ينفق أكثر.

فإذا كان شخص ما قد جاء إلى الحزب قبيل الانتخابات، ولم تكن له علاقة فعلية بهياكله ولا بنضالاته، ثم حصل على التزكية، فمن حق الرأي العام أن يسأل ما الذي جعله مؤهلا لتمثيل حزب له كل هذا التاريخ؟ هل هو تاريخه النضالي؟ هل هو حضوره داخل التنظيم؟ وهل هو مشروعه السياسي؟ أم هل يعرف أدبيات الحزب وبرنامجه؟ أو أن هناك معيارا آخر لا يقال في الاجتماعات الرسمية، لكنه مفهوم جيدا في الكواليس الانتخابية؟

وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي حزب سياسي ليس أن يخسر انتخابات. لأن الأحزاب تخسر وتربح. بل الأخطر أن يخسر الحزب هويته وهو يربح بعض المقاعد.

فعندما يصبح المال معيارا غير معلن للترشح، فإن المناضل الذي قضى سنوات في التنظيم يبدأ في طرح السؤال الأكثر مرارة، وهو لماذا أناضل؟ ولماذا أحضر الاجتماعات؟ ولماذا أتحمل الخلافات التنظيمية؟ ولماذا أدافع عن الحزب في الأحياء والشارع؟ ولماذا أبقى وفيا للحزب في سنوات التراجع؟

بل وإذا كان بإمكان شخص أن يأتي في آخر لحظة، ويحمل معه المال والعلاقات والقدرة على الإنفاق، ثم يحصل على المكان الذي كان يحلم به المناضل، فهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف حول لائحة انتخابية. بل يبدأ قتل السياسة داخل الحزب

إن المناضل يمكن أن يخسر مقعدا، لكنه يستطيع أن يتقبل ذلك إذا كان يشعر بأن المنافسة كانت بين أبناء التنظيم. أما أن يخسر أمام شخص لم يكن بالأمس جزءا من الحزب، ثم يجد نفسه مطالبا بالتصويت له والدفاع عنه، فهذه ليست مجرد هزيمة انتخابية، بل إنها إهانة لمعنى الانتماء السياسي.

والمشكلة ليست في أن يفتح حزب الاستقلال أبوابه للمناضلين الجدد. بالعكس. كل حزب حي يحتاج إلى وجوه جديدة، وشباب جدد، وكفاءات جديدة، وأشخاص يدخلون السياسة لأول مرة. لكن هناك فرقا كبيرا بين استقطاب كفاءة جديدة وبين استيراد مرشح جاهز للانتخابات. الأول يغني الحزب. وأما الثاني فقد يحول الحزب إلى مجرد عنوان انتخابي. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل حزب الاستقلال،  ليس كم يستطيع هذا المرشح أن يجمع من الأصوات، بل ماذا سيضيف هذا المرشح إلى الحزب؟

إذا كان حزب الاستقلال يريد أن يبقى حزبا له معنى، فعليه أن يعيد الاعتبار إلى فكرة الانتماء. فليس المطلوب أن يكون كل مرشح من أبناء الحزب منذ طفولته، فهذا غير واقعي ولا مطلوب. ولكن المطلوب أن تكون هناك معايير واضحة، مثل الكفاءة والنزاهة والحضور السياسي، والقدرة على تمثيل المواطنين، والالتزام بمشروع الحزب.

وأما أن يصبح المال معيارا ضمنيا، وأن تتحول الانتخابات إلى مزاد على المرشحين، فحينها لا يعود السؤال من سيمثل حزب الاستقلال؟ بل يصبح السؤال هو من سيدفع أكثر لكي يمثل حزب الاستقلال؟ وهذا سؤال خطير على حزب بنى تاريخه على رجال ونساء لم تكن لديهم (شكارة) انتخابية، وإنما كانت لديهم قناعة ومبدأ واستعداد للتضحية.

لقد كان حزب الاستقلال، في زمن من أزمنة المغرب، مدرسة في الانتماء السياسي. وأما اليوم، فقد فتح أبوابه لكل من يستطيع تمويل حملته، دون أن يسأل أولا عن علاقته بالحزب ومشروعه وتاريخه، بل إنه يخاطر بتحويل هذا التاريخ نفسه إلى ديكور انتخابي.

وسيكون مؤلما جدا أن يرى الاستقلالي الذي ورث حب الحزب عن أبيه وجده، شخصا لم يعرف يوما طريق هياكل الحزب، يتقدم عليه فقط لأنه يعرف طريقا آخر، وهو طريق المال.

لا يتعلق الأمر بمدينة سلا وحدها، ولا بمرشح أو مرشحين بعينهم. بل إنه سؤال أكبر بكثير، وهو هل ما زال حزب الاستقلال حزب المناضلين وأصحاب المبادئ، أم أنه بدأ يتحول مثل غيره، إلى حزب أصحاب الشكارة؟ لأن الانتخابات قد تمنح المقعد. لكنها لا تمنح التاريخ. والمال قد يشتري حملة انتخابية، لكنه لا يستطيع أن يشتري ذاكرة حزب عمرها عقود.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *