رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
تبدو الخطوة الإسبانية الأخيرة المرتبطة بمنح الجنسية لفئات مرتبطة تاريخيا بالصحراء وكأنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، خصوصا في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة، وفي وقت أصبحت فيه قضية الصحراء المغربية جزءا من معادلة دولية تتغير ملامحها بشكل متسارع.
وبعيدا عن الجانب القانوني للقرار، فإن توقيته يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع، حيث إعادة استحضار الإرث الاستعماري الإسباني في ملف الصحراء، ومنح الجنسية لفئات مرتبطة تاريخيا بالإقليم، يمكن أن ينظر إليه من طرف الرباط باعتباره محاولة لإعادة توظيف ورقة تاريخية في سياق سياسي جديد، خصوصا إذا استفادت من هذا المسار جهات أو شخصيات مرتبطة بجبهة البوليساريو أو بمخيمات تندوف. ولكن السؤال الأهم ليس فقط ماذا فعلت إسبانيا، وإنما لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات؟
إن المغرب الذي تتعامل معه مدريد اليوم ليس هو المغرب الذي كانت تتعامل معه قبل سنوات. لأن المملكة راكمت خلال العقد الأخير أوراق قوة اقتصادية واستراتيجية ودبلوماسية وعسكرية جعلت موقعها في المنطقة مختلفا بشكل واضح.
واقتصاديا لم يعد المغرب مجرد سوق قريبة من أوروبا، بل تحول تدريجيا إلى منصة صناعية ولوجستية تستقطب استثمارات عالمية في قطاعات السيارات والطيران والطاقة والطاقات المتجددة واللوجستيك. حيث أصبح ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز رموز هذا التحول، بعدما رسخ موقعه كمركز رئيسي للتجارة والنقل البحري وربط أوروبا بإفريقيا وبعدد من الأسواق العالمية.
والمسألة لا تتوقف عند طنجة. لأن مشاريع مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي تعكس توجها مغربيا نحو بناء شبكة لوجستية متكاملة تمتد من المتوسط إلى الواجهة الأطلسية، وتستهدف تعزيز موقع المملكة كمحور للتجارة والاستثمار نحو القارة الإفريقية.
وفي السياسة الدولية، القوة الاقتصادية لا تبقى مجرد أرقام. بحيث كلما توسعت المصالح الدولية المرتبطة بالمغرب، أصبحت تكلفة الضغط عليه أكبر، وأصبح لديه هامش أوسع للمناورة.
وأما عسكريا، فقد دخل المغرب خلال السنوات الماضية في مسار متواصل لتحديث قدراته الدفاعية، من خلال تعزيز ترسانته الجوية والبرية والدفاعية والاستطلاعية، وتطوير قدراته في مجال الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع والأسلحة بعيدة المدى.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بالولايات المتحدة، إضافة إلى العلاقات العسكرية والأمنية المتنامية مع عدد من القوى الدولية. وبالتالي فإن أي طرف يفكر في ممارسة الضغط على الرباط عليه أن يأخذ بعين الاعتبار أن المغرب لم يعد يملك ورقة واحدة، وإنما شبكة كاملة من الأوراق المتداخلة.
ومن حيث الجغرافيا. فإن المغرب يوجد في موقع استثنائي، بين أوروبا وإفريقيا، وعلى واجهتين بحرية متوسطية وأطلسية، وعلى مقربة شديدة من الأراضي الإسبانية. حيث هذا الموقع يجعل المملكة لاعبا أساسيا في ملفات الهجرة والطاقة والتجارة والأمن والنقل ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ولعل ملف الهجرة هو أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لإسبانيا. لأن التعاون المغربي الإسباني في مراقبة الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية يشكل مصلحة مشتركة، لكنه في الوقت نفسه يمنح الرباط هامشا من التأثير إذا دخلت العلاقات الثنائية مرحلة توتر حقيقي.
كما أن المصالح الاقتصادية بين البلدين متشابكة إلى درجة تجعل أي تصعيد واسع مكلفا للطرفين. فهناك استثمارات وشركات ومبادلات تجارية ومشاريع مشتركة وسلاسل إنتاج مرتبطة بالاقتصادين المغربي والإسباني. ومن هنا، فإن السؤال المطروح، هو ماذا يستطيع المغرب أن يفعل؟ قد يكون أقل أهمية من سؤال آخر، وهو هل يحتاج المغرب أصلا إلى استخدام كل أوراقه؟
إن القوة الحقيقية للدولة ليست في أن ترد على كل استفزاز برد صاخب، وإنما في أن تعرف متى ترد، وكيف ترد، ومتى يكون عدم الرد أكثر فاعلية. لأن المغرب، إذا قرر التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها تطورا سياسيا يستحق الرد، لن يكون بالضرورة مضطرا إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع مدريد. حيث يمكن أن يستمر التعاون الاقتصادي، وأن تبقى قنوات التواصل الأمني والدبلوماسي مفتوحة، وفي الوقت نفسه يجري العمل بهدوء على تعزيز البدائل وتوسيع الشراكات وبناء أوراق قوة جديدة. وهذه تحديدا هي النقطة التي قد لا تظهر كثيرا في الإعلام.
إن الرد السياسي ليس بالضرورة تصريحا ناريا، ولا استدعاء سفير، ولا إعلانا عن قطيعة. حيث أحيانا يكون الرد مشروعا اقتصاديا جديدا، أو شراكة استراتيجية مع دولة أخرى، أو استثمارا في ميناء، أو توسيعا لنفوذ اقتصادي في إفريقيا، أو تعزيزا لقدرات دفاعية، أو قرارا يعيد ترتيب المصالح بطريقة لا تظهر نتائجها إلا بعد سنوات.
إن إسبانيا قد تستعمل ورقة الجنسية، لكن المغرب يبني الموانئ. وقد تستحضر إسبانيا أيضا صفحات من التاريخ، لكن المغرب يحاول صناعة موقع جديد في اقتصاد المستقبل. وكذلك قد تراهن مدريد على التأثير السياسي، بينما تعمل الرباط على توسيع شبكة علاقاتها وشراكاتها الدولية وتعزيز موقعها داخل إفريقيا والعالم العربي وعلى الساحة الدولية.
لهذا ولكل ذلك، فإن الانجرار إلى رد فعل سريع قد لا يكون بالضرورة الخيار الأفضل. حيث العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تختزل في أزمة عابرة، والمصالح المشتركة بين البلدين أوسع من أن يتم حرقها بسبب قرار واحد. لأن المغرب يستطيع أن يرد، وهذه ليست هي المشكلة. بل السؤال، هو هل سيكون الرد انفعاليا يخدم اللحظة الإعلامية، أم استراتيجيا يخدم المصالح المغربية لعشر أو عشرين سنة مقبلة؟ وهنا تظهر قيمة النفس الطويل.
وفي السياسة، ليست كل المعارك التي تبدو مهمة في وسائل الإعلام تستحق أن تتحول إلى معارك دولة. فأحيانا يكون أقوى رد هو أن تترك الطرف الآخر يعتقد أنه حقق مكسبا تكتيكيا، بينما تستمر أنت في بناء قوة تجعل هذا المكسب بلا تأثير على المدى البعيد.
لقد تغيرت موازين كثيرة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والمغرب جزء أساسي من هذا التحول. لذلك فإن التعامل مع أي خطوة إسبانية جديدة لا يحتاج بالضرورة إلى رفع سقف الخطاب، بقدر ما يحتاج إلى قراءة دقيقة للمصالح، وحساب دقيق للكلفة، واستثمار هادئ في أوراق القوة.
وفي النهاية، قد يكون أقوى رد مغربي هو ذلك الذي لا يظهر في العناوين العاجلة أصلا، فالقرار الإقتصادي اليوم، هو مشروع استراتيجي غدا، وشراكة جديدة بعد سنوات، حتى يجد الطرف الآخر نفسه أمام واقع جديد لم يتشكل في يوم واحد، وإنما بني بصمت وعلى مدى سنوات. ولأن القوة ليست دائما أن تقول للخصم: “سأرد عليك”. فأحيانا القوة هي أن تكون قادرا على الرد، ثم تختار ألا تفعل ذلك بالطريقة التي ينتظرها منك خصمك، لأنك ببساطة مشغول ببناء قوة أكبر من المعركة نفسها.
شارك المقال























Leave a Reply