رصد المغرب /
هناك شيء مستفز أكثر من الانتخابات نفسها، وهو أن تشاهد بعض المرشحين للانتخابات التشريعية وهم يتحدثون إلى المواطن وكأنهم يترشحون لرئاسة جماعة محلية أو لتدبير حي سكني. وفي مدينة سلا، وخاصة في بعض الأحياء مثل حي السلام، يبدو المشهد أحيانا وكأن السياسة فقدت معناها، وأن الانتخابات البرلمانية تحولت إلى سباق بين المرشحين حول من سيعد المواطنين بإنارة شارع، أو إصلاح حفرة، أو تعبيد زنقة، أو التدخل في مشكلة محلية.
إن السؤال هنا ليس هل يحتاج المواطن إلى الضوء والطرق والنظافة والخدمات؟ طبعا كلها ضروري ويحتاج إليها. لكن السؤال الحقيقي هو هل هذه هي وظيفة النائب البرلماني؟ وهل أصبحنا ننتخب البرلمان لكي يصلح الأزقة، أم لكي نختار من يفترض أن يناقش التشريعات والسياسات العمومية ويراقب الحكومة ويدافع عن قضايا المجتمع والدولة؟
المشكلة ليست في أن بعض المرشحين لا يملكون تجربة سياسية طويلة، بل المشكلة في شيء آخر أكثر خطورة، وهو أن بعض الذين دخلوا المنافسة الانتخابية لا يبدو أنهم دخلوا السياسة أصلا، وإنما دخلوا الانتخابات. وهناك فرق هائل بين الأمرين.
إن السياسي حتى عندما يكون جديدا، يفترض أن تكون لديه رؤية. أن يعرف لماذا اختار حزبا دون آخر، وأن يفهم البرنامج الذي يدافع عنه، وأن يستطيع أن يناقش المواطن في قضايا الدولة والمجتمع والاقتصاد والتعليم والصحة والعدالة والحريات والديمقراطية والسياسة الخارجية.
وأما المرشح الذي يبدأ حديثه مع المواطن بـ(غادي ندخل ليكم الضو) و(غادي نصلح ليكم الزنقة) و(غادي نتدخل ليكم فهاد المشكل)، فهو في الحقيقة يقدم نفسه كوسيط للخدمات المحلية، لا كمرشح لمؤسسة تشريعية. وهنا تصبح المسألة مثيرة للسخرية. وهي هل نحن أمام انتخابات تشريعية أم مباراة في تدبير الأحياء؟
إن بعض المرشحين لا يميزون، في خطابهم على الأقل، بين الانتخابات الجماعية والانتخابات البرلمانية. وكأن كل ما يحتاجه المواطن هو شخص يملك هاتفا ويتصل بمسؤول هنا أو موظف هناك لكي تصلح حفرة أو تضاء زنقة. لكن ماذا عن السؤال الأكبر؟ من يراقب الحكومة؟ من يناقش السياسات العمومية؟ ومن يسائل المسؤولين عن التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية؟ ومن يناقش القوانين التي ستنظم حياة المغاربة؟ من يتحدث عن الحريات؟ ومن يناقش الكرامة السياسية للمواطن؟
من يستطيع أن يقول للمواطن بوضوح، هذه هي حدود صلاحياتي كنائب، وهذه هي صلاحيات الجماعة، وهذه هي اختصاصات الحكومة، وهذه هي الاختيارات الكبرى للدولة؟ وهنا يبدأ الصمت. لأن المشكلة في كثير من الحالات ليست في غياب الشعارات، وإنما في غياب الثقافة السياسية التي تجعل المرشح قادرا على شرح الدولة للمواطن، لا بيع الوهم له.
لقد أصبح من السهل جدا أن تقول للمواطن (سنرفع الأجور) ومن السهل أن تقول له (سنخفض الأسعار)، ومن السهل أكثر أن تعده بحل مشاكله كلها. لكن السياسة ليست مزادا للوعود، بل السياسة هي أن تقول للناس أيضا ما لا يريدون سماعه. أن تشرح لهم كيف تتخذ القرارات. وهي أن تشرح لهم أين تبدأ صلاحيات البرلمان وأين تنتهي. أن تشرح لهم لماذا توجد اختيارات اقتصادية واجتماعية معينة. وأن تدافع عن الحرية عندما تصبح الحرية غير مريحة.
وأيصا أن تتحدث عن الكرامة باعتبارها حقا سياسيا، لا مجرد مبلغ إضافي في الأجر. لأن المواطن ليس مجرد بطن يجب إطعامه في يوم الاقتراع، ولا جيبا يجب إقناعه بزيادة في الأجر. بل المواطن مواطن قبل أن يكون مستهلكا أو ناخبا. له الحق في العمل، وله الحق في السكن والصحة والتعليم. لكن له أيضا الحق في الحرية والكرامة والمشاركة السياسية والمساءلة والعدالة وتكافؤ الفرص. وهذه القضايا لا تحل بإصلاح زنقة.
والمثير للسخرية أن بعض الأحزاب تأتي إلى المواطن بألوان مختلفة، ورموز مختلفة، وشعارات مختلفة، لكنها عندما تصل إلى لحظة السؤال السياسي الحقيقي تصبح اللغة واحدة تقريبا، قد تتغير الألوان، وتتغير الصور، وتتغير الوجوه، لكن الخطاب الانتخابي نفسه يعيد إنتاج نفسه. وهو وعد بالخدمة. وعد بالتدخل. وعد بإصلاح المشكل. وعد بالوظيفة. وعد بالزيادة. ثم ينتهي كل شيء عند صندوق الاقتراع.
وأما السؤال عن طبيعة السلطة، وعن الديمقراطية، وعن علاقة البرلمان بالحكومة، وعن حدود القرار الحزبي، وعن قدرة المنتخب على الدفاع عن قناعاته عندما تتعارض مع الاختيارات الكبرى، فذلك حديث آخر يبدو أن كثيرا من المرشحين لا يرغبون في فتحه. وهنا تحديدا يصبح الاستفزاز الانتخابي حقيقيا. وليس الاستفزاز أن ترى مرشحا ضعيفا سياسيا. بل إن الاستفزاز أن يقدم نفسه باعتباره ممثل الشعب وهو لا يستطيع أن يشرح للشعب ماذا سيفعل داخل المؤسسة التي يترشح لها.
والأخطر من ذلك أن المواطن نفسه قد يتعود على هذا النوع من السياسة. وقد يصبح السؤال الطبيعي، وهو (ماذا ستفعل لي؟ ). وهكذا يتحول النائب من ممثل للأمة إلى وسيط بين المواطن والإدارة. وتتحول الانتخابات من اختيار سياسي إلى عملية تفاوض على الخدمات. ويتحول الحزب من مدرسة لتكوين السياسيين إلى آلة لإنتاج المرشحين.
وهنا لا يعود السؤال هو من هو الحزب الأفضل؟ بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجا هو أين السياسيون؟ وأين أولئك الذين دخلوا الأحزاب لأنهم آمنوا بفكرة، لا لأن الانتخابات اقتربت؟ وأين المناضل الذي يستطيع أن يختلف مع حزبه ويظل وفيا لمبادئه؟ وأين المرشح الذي يستطيع أن يجلس أمام المواطن ساعتين ويتحدث معه عن المغرب الذي يريده، لا عن الزنقة التي سيصلحها؟ وأين الذي يستطيع أن يقول للناس إن البرلمان ليس جماعة محلية، وإن النائب ليس عونا للمصالح، وإن الدولة ليست مشروعا انتخابيا؟
قد تكون المشكلة في المرشحين، وقد تكون المشكلة في الأحزاب التي لم تعد تنتج السياسيين بالقدر الذي تنتج به المرشحين. وقد تكون المشكلة أيضا في منظومة انتخابية جعلت كثيرا من المواطنين لا يرون في النائب إلا بابا لقضاء الحاجات. لكن المواطن أمامه، في النهاية، مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الأحزاب. لا تنتخب اللون لأن اللون جميل. ولا الرمز لأن الرمز مألوف. ولا المرشح لأنه وعدك بما تريد سماعه. بل اسأله ببساطة، ماذا تعرف عن البرلمان؟ ما الذي تستطيع فعله فعلا؟ ما الذي لا تستطيع فعله؟ ما موقفك من الحريات؟ ما موقفك من الاعتقالات؟ ما تصورك للعدالة الاجتماعية؟
إذا لم يستطع المرشح الإجابة عن ذلك، فربما يكون من الأفضل أن نسأله سؤالا أكثر بساطة، وهو لماذا أنت هنا أصلا؟ لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى أشخاص ينجحون في الانتخابات. بل المغرب يحتاج إلى سياسيين. والفرق بين الاثنين هو بالضبط الفرق بين شخص يريد مقعدا في البرلمان، وشخص يريد أن يمارس السياسة.
شارك المقال























Leave a Reply