حين تزهر الوعود وتذبل المدن

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


في المغرب، لا يبدو الموسم الانتخابي مجرد محطة ديمقراطية عابرة، بل أقرب إلى موسم فلاحي من نوع خاص موسم تزرع فيه الوعود وتحصد فيه الأموال، وتسقى فيه التحالفات بماء الشكارة لا بماء البرامج.

تبدأ الحكاية حين تتحول الأحزاب، التي يفترض أنها مدارس لتأطير المواطنين، إلى وكالات انتقاء من طراز غريب لا يسأل المرشح عن رؤيته للمدينة، ولا عن تصوره للتنمية، بل عن وزنه… والوزن هنا لا يقاس بالكفاءة ولا بالرصيد النضالي، بل بعدد الأصفار التي يستطيع إضافتها إلى الحملة. وهكذا، يصبح الانتماء الحزبي مجرد قميص يفصل على مقاس القدرة المالية.

ثم تأتي النتيجة، أو لنقل المحصول. حيث برلمانا ومجالس جماعية مليئة بوجوه لا تشبه المدن التي تمثلها. مدن تنتظر لمسة جمالية، فكرة بسيطة، شجرة تزرع في مكانها الصحيح لكن الذي يحدث هو العكس تماما. فيكفي أن تقوم بجولة قصيرة في ما يسمى حدائق بمدينة سلا لتفهم كل شيء، حيث مساحات ترابية تحمل اسم حديقة، كأن الاسم وحده يكفي ليزهر. لا ورد، لا تنسيق، لا روح، فقط لافتة تقول إن هنا كان من المفترض أن تكون حياة.

أما كبار السن، أولئك الذين بنوا هذه المدن بصبرهم، فيركنون في زوايا النسيان. لا فضاءات تليق بهم، ولا برامج تخفف عنهم وطأة الزمن. الجمعيات الخيرية تقوم بما تستطيع، لكنها تظل تغطي فراغا كان يفترض أن تملأه سياسات عمومية، لا مبادرات إحسانية موسمية.

وفي المقابل، هناك مجال واحد يبدو أنه مزدهر بشكل لافت، وهو العقار. هنا فقط يظهر الإبداع، وتتحرك العبقرية، وتختصر المساطر، وتفتح الأبواب. كأن المدينة لم تعد كيانا اجتماعيا وثقافيا، بل مجرد خريطة قطع أرضية تنتظر من يوقع عليها.

قد يقول قائل: ولماذا لا نتحدث عن السياسة؟ والجواب بسيط حد السخرية. لأن السياسة، بمعناها العميق كصراع برامج ورؤى، تبدو غائبة أو مؤجلة. هناك من يرى أن السياسة تمارس في مكان آخر، بينما تتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات للتنفيذ أو التدبير، لا للمبادرة وصناعة القرار. وهكذا، يصبح المنتخب أقرب إلى مسير أعمال منه إلى فاعل سياسي، ويصبح الحزب أقرب إلى مقاولة منه إلى إطار فكري.

والنتيجة مدن بلا ذاكرة جمالية، بلا هوية حضارية واضحة، وبلا خيال. مدن تدار بعقلية التدبير اليومي لا بعقلية المشروع. وكأن الطموح الجماعي تم تقليصه إلى الحد الأدنى، وهو إصلاح حفرة هنا، أو تزفيت شارع هناك، بينما الأسئلة الكبرى تظل معلقة في الهواء.

في النهاية، يبدو أن المشكلة ليست فقط في الأشخاص، بل في المنظومة التي تجعل من المال تذكرة عبور إلى التمثيل، ومن التمثيل وسيلة للاستثمار. وبين هذا وذاك، يظل المواطن يتجول في حديقة بلا ورد، يتأمل لافتة جميلة فوق فراغ كبير… ويتساءل، بسخرية في كل مرة، هل نحن ننتخب فعلا، أم فقط نشارك في موسم حصاد لا نملك منه إلا المشاهدة؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *