رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
في قصة ذلك الرجل المسن الذي كاد أن ينتهي به المطاف في الشارع بعد انهيار منزله، قبل أن تتدخل سيدة محسنة لتعيد إليه شيئا من كرامته، لا نرى مجرد واقعة إنسانية مؤثرة، بل نلمس خللا عميقا في ترتيب الأدوار داخل المجتمع. فحين يصبح العمل الإحساني بديلا عن تدخل المؤسسات، نكون أمام سؤال جوهري: أين الدولة الاجتماعية؟ وأين موقع المواطن داخل أولوياتها؟
إن الدور المفترض لـ وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ليس دورا رمزيا أو تكميليا، بل هو في صلب العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمجتمع. هذه الوزارة وجدت لتكون خط الدفاع الأول عن الفئات الهشة: المسنون، المشردون، الأشخاص في وضعية إعاقة، والأسر التي تعيش على هامش الاستقرار. غير أن الواقع، كما تكشفه مثل هذه الحالات، يوحي بأن هذا الدور إما محدود الأثر أو غائب في لحظات الحسم.
المشكلة لا تكمن فقط في ضعف التدخل، بل في غياب الأثر الملموس. فالمواطن المغربي لا يقيس السياسات بالبلاغات، بل بما يراه في الشارع: هل يجد المسن مأوى حين يفقد بيته؟ هل تفعل آليات الطوارئ الاجتماعية بسرعة ونجاعة؟ هل هناك منظومة رصد وتدخل استباقي تمنع المشكل قبل وقوعه؟ عندما تكون الإجابة بالنفي، يفقد الخطاب الرسمي معناه، ويصبح الإحسان الفردي بديلاً اضطرارياً عن الحق.
لقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، ترافقت مع ضغط متزايد على الفئات الهشة. ورغم إطلاق برامج كبرى مثل الحماية الاجتماعية في المغرب، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن المشاريع، بل في قدرتها على الوصول إلى الحالات الأكثر هشاشة في الوقت المناسب. فالفجوة بين السياسات المركزية والتنفيذ المحلي ما تزال واسعة، وهو ما يفسر كيف يمكن لحالة إنسانية بسيطة أن تمر دون تدخل مؤسساتي يذكر.
ثم إن تعدد المتدخلين في المجال الاجتماعي، من وزارات وجماعات ترابية ومبادرات وطنية، غالبا ما يؤدي إلى تشتت المسؤولية بدل تكاملها. فيغيب التنسيق، وتضيع الحالات المستعجلة بين الاختصاصات. وهنا يبرز سؤال الحكامة: من المسؤول فعلا حين يترك مواطن في الشارع؟ ومن يحاسب على التقصير؟
الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ(تطبيع الفراغ المؤسساتي). حين يعتاد المجتمع على أن الفاعل الجمعوي أو المحسن هو من ينقذ الوضع، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتراجع الضغط الشعبي للمطالبة بالحقوق. وهنا يصبح الإحسان، رغم نبله، عاملا غير مباشر في إخفاء أعطاب الدولة بدل معالجتها.
لا أحد يشكك في قيمة التضامن المجتمعي، بل هو من أجمل ما في المجتمع المغربي. لكن الفرق كبير بين مجتمع متضامن ودولة غائبة، وبين مجتمع متضامن ودولة حاضرة تكمل هذا التضامن وتؤطره. في الحالة الأولى، يصبح مصير الأفراد رهين الصدفة والحظ في الثانية، يصبح الحق مضمونا، والإحسان إضافة لا بديلاً
إن ما وقع ليس مجرد حادثة معزولة، بل مرآة لأسئلة أكبر:
هل ما زالت السياسات الاجتماعية تبنى من منظور حماية الكرامة، أم منطق التدبير الإداري البارد؟
هل تحولت بعض الوزارات الاجتماعية إلى هياكل بلا روح ميدانية؟
وأين موقع المواطن البسيط في كل هذا؟
ربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال بشكل أكثر وضوحا: ليس ماذا يفعل المحسنون؟ بل لماذا يفعلون ما كان يجب أن تقوم به الدولة؟
حين نصل إلى مرحلة ينقذ فيها فرد واحد كرامة مواطن، بينما تعجز منظومة كاملة عن ذلك، فالمشكلة ليست في قلة الخير… بل في غياب العدالة الاجتماعية كما ينبغي أن تكون.
شارك المقال























Leave a Reply