رصد المغرب/ محمد الهداج
من مواطن الخلاف الأكثر حضورا عند اللغويين المعاصرين من الغربيين، قضية السياق وحجم مساهمته في تحديد الدلالة. وتنقسم منازعهم إلى ثلاثة: أصحاب النزعة الأدنوية والسياقيون المعتدلون والسياقيون الجذريون.
الفريق الأول minimalist يعتقدون في إمكان معنى حرفي يستغني عن السياق، ويذهبون إلى أن العبارات التي لابد لفهمها من سياق محدودة، ويمكن التصريح بعناصر هذا السياق بالتوسل بجهاز منطقي مناسب (كالعوالم الممكنة)، الفريق الثاني يقول أن السياق منتشر في الخطاب الطبيعي انتشارا يكاد يستحيل الانفلات منه، لكن توجد عبارات حرفية المعنى في اللغة، ويوجد أمل في في الإمساك بالسياق داخل اللغة، وهم أقرب للفريق الأول، والفريق الثالث يقول بأن السياق جزء ماهية اللغة ولا سبيل إلى اعتقال كل أفراده في زنانزن الكلمات. ولا ينبغي أن يُفهم من هذا التقسيم وجود تجانس داخل كل فريق، فداخل كل منزع أنظار متنافرة.
صاحبنا جون سيرل، يمكن عَدُّه ضمن الفريق الأخير. ولعل شيخه فيتجنشتين هو إمام هذا الضرب من النظر، فعنه أخذ فكرة الخلفية التي ذكرنا سابقا.
الفصل الخامس من أحد كتبه الرئيسة عنوانه “المعنى الحرفي”، الكتاب هو “التعبير والدلالة” ونُشر في 1979.
سأنقل من كتابي “الخطاب العربي والحداثة” حجته الأساسية في نقض وجود معنى حرفي، والتي بسطها في ذاك الكتاب:
“في معرض رد جون سيرل على الرأي القائل بإمكان الحديث عن المعنى الحرفي، أي ذاك الذي يمكن نسبته لجملة ما في “سياق منعدم” أي دون استحضار البعد التداولي للدلالة، يضرب مثلا بعبارة تبدو واضحة ويدعو إلى التأمل في دلالتها دون اشتراط أي سياق ومن ثم أي مضمر، والجملة هي :
( 1 ) “القطة فوق البساط”
والذي سيدركه القارئ مقصودا بالجملة هو أن القطة تلقي بثقلها في وضعية ما على البساط (مستلقية أو واقفة …)، ولكن الجملة لا تحيل بمنطوقها حصرا ولا ضرورة على هذه المعنى، فقد تكون القطة معلقة في الهواء (كما في حكاية خرافية أو عرض للكراكيز) بحيث تفصلها مسافة قصيرة عن البساط وتبقى جملتنا (1) مناسبة للدلالة على هذا الوضع، كما قد تكون القطة ملامسة للبساط بجسمها دون أن تلقي بثقلها عليه (كأن تكون هي والبساط طائرين في الهواء) وفي هذه الوضع كذلك تبقى جملتنا مناسبة للتوصيف. ولكن ما يجعلنا “نختار” الدلالة الأولى هو ماألفناه دلالة على الفوقية والذي يستحضر معرفتنا بالجاذبية، كما يستبعد الحالات البعيدة عن الحدس المباشر، أي المبني على المألوف. فإذن حتى في أكثر الجمل “نصية” يوجد مضمر يتكون من المألوف والمعروف والمناسب.”
هذا المضمر والمعروف والمناسب، والمرتبط حتى بنا كبشر، من مثل خضوع أجسادنا لجاذبية، هو من مكونات ما يسميه سيرل بالخلفية. وضَرب أمثلة أخرى في ورقة جميلة له عنوانها “خلفية الدلالة” ضمن كتاب جماعي وتوجد في الشبكة مستقلة. وقد بدأها بأحد عشرة عبارة استُعمل فيها فعل Cut، وسأترجمها بطريقة لا تذهب بالشاهد مع وجود غرابة في التعريب لاستعمال العرب أفعال مختلفة للتعبير عن القطع كالقص والجز:
“قطع زيد شعره”
“قطع زيد العشب”
“قطعت فاطمة الكعكة”
“قطع الخياط الثوب”
تُدرِك جيدا معنى القطع في كل عبارة، لكن بقليل من التأمل ستدرك أن هذا “المعنى” ليس واحدا في هذه العبارات، مع أن هذا الاستعمال يبدو حرفيا، بمعنى أنه ليس استعاريا قطعا، كما في “زيد قطع طريق”، مثلا، وفي كلمة “قطعا” في الجملة السابقة. في كل عباراتنا أعلاه تدخل الممارسات الاجتماعية في تحديد المعنى، وإلا فإن شروط تحَقُّقِ القطع في الشعر ليست هي نفسها في العشب أو في الكعكة أو في الثوب.
تنبيه لابد منه: ما أعرضه هنا هو نظريات في الدلالة، وينبغي التفريق بين المعطيات التي تُساق للحديث عن ظاهرة لغوية وبين الإطار النظري الذي يحاول تفسيرها. وتقدير غرابة المعطى لا يعني صحة نظريات تفسيره. ومعرفة الخلاف شرط في تحصيل كل علم. ولمن شاء فقد كتب اللغوي الأمركي الشهير في الفن، جيرولد كاتز، مراجعة نقدية للفصل السابق ذِكْرُه لسيرل: “المعنى الحرفي” وعنون المراجعة: “المعنى الحرفي والنظرية المنطقية”. والغرض من الإشارة التذكير بأنني لا أعرض حقائق ولكن فقط نظريات، والفائدة في الوعي بعجائب اللغة وطرائقِ الحجاج والصياغة للنظريات.
شارك المقال























Leave a Reply