رصد المغرب/ محمد عوف
لم تكن مشاريع مالك بن نبي أو عبد الوهاب المسيري أو علي عزت بيجوفيتش مجرد ترف فكري أو محاولات لرص الكلمات في كتب أنيقة،بل كانت صرخات لـ إعادة البناء .
لكن الواقع اليوم يشير إلى مفارقة حزينة … فبالرغم من كثافة القراءة لهؤلاء العظماء، إلا أن الثمرة في الواقع والممارسة تبدو باهتة وخافتة .
فهل المشكلة في النص … أم المشكلة في الفهم والعقل الذي يستقبل النص؟
أولاً: القراءة السطحية والتنفيذ السيئ.
إن قراءة تراث فكري ضخم بدون منهجية علمية .. هي كمن يملك خريطة دقيقة لكنه لا يجيد قراءة البوصلة.
1. لقد تحول فكر مالك بن نبي (مثل شروط النهضة) ، و عبدالوهاب المسيري (مثل النماذج التفسيرية) إلى مجرد شعارات تُزين بها المنشورات والخطب، دون إدراك أن هذه الأفكار تتطلب جراحة دقيقة في الوعي قبل أن تتحول إلى برنامج عمل.
2. يبرز المفكر الأديب سيد قطب كنموذج صارخ للتعامل الخاطئ مع كتاباته وأفكاره … حيث تم استلاب نصوصه من سياقها القرآني والأدبي والظرفي،
لتصبح تارةً مسوغاً للانعزال التام (إفراط)، وتارةً أخرى مجرد أدبيات حماسية تُقرأ بلا تدبر (تفريط) ،مما أدى إلى كوارث تنزيلية في الواقع ، وإلى أحكام متطرفة يمينا ويسارا.
والكل يدعي الفهم الدقيق والأصيل لنصوص قطب ، وهم في حقيقتهم ينطبق عليهم قول الشاعر … وكل يدعي وصلا بـ ليلى..وليلى لا تقر لهم بداك
ثانياً: لماذا تعجز التنظيمات عن استيعاب أفكار المسيري ومالك بن نبي؟
يكمن العائق الأكبر أمام الفهم الحقيقي في بنية العقل المؤدلج.
سواء كان إسلامياً أو قومياً أو شيوعياً أو علمانياً،
إن الشخصية التنظيمية المنغلقة تعاني من ثلاث معضلات:
1- الفلترة المسبقة:
المؤدلج لا يقرأ لكي يهتدي ، بل يقرأ لـ يجد ما يؤيد تصوراته.
هو يكسر “عالم الأفكار” عند مالك بن نبي ليصنع منه صنماً يخدم تنظيمه.
( ولدلك يرفض بعض المفكرين التعامل المباشر مع الإسلاميين أو إلقاء محاضرات أو خطب لأنهم يدركون تلك الحقيقة المؤلمة )
2- التغذية الراجعة المغلقة:
يعيش هؤلاء داخل غرف صدى الأفكار ، فهم يبنون لأنفسهم بيئة فكرية تحيط بهم ومنعزلة ، يتم فيها تكرار نفس التفسيرات المشوهة للأفكار الكبرى، مما يبني جداراً عازلاً يحجب النور الحقيقي للفكرة المبدعة.
3- الخوف من السيولة:
أفكار علي عزت بيجوفيتش وعبدالوهاب المسيري تتسم بالتركيب والتعقيد والاعتراف بالآخر، بينما تقوم الأيديولوجيا المنغلقة على التبسيط والثنائيات الحادة (نحن وهم/ أبيض وأسود / صديق عدو / الحق والباطل المطلقين).
ولقد عانى الكثير من الأصدقاء من هده الثنائية الحادة ودفعوا الثمن غاليا من حياتهم الشخصية والعائلية والمهنية عندما قرروا اعتزال التنظيمات.
نماذج الانتقائية المشوهة: الفكرة حين تصبح سلاحاً تنظيمياً
يتجلى عجز العقل المؤدلج في تحويل الأفكار السيالة والمفتوحة إلى قوالب جامدة ومغلقة
ففي التعامل مع مالك بن نبي، يتم اختزال مشروعه الضخم حول مشكلات الحضارة في مصطلح “القابلية للاستعمار”،
حيث يُستخدم هذا المصطلح كأداة لجلد الآخرين أو تبرير الفشل الواقعي، بينما يتم القفز تماماً فوق تحليله لـ شبكة العلاقات الاجتماعية وعالم الأفكار، لأن استحقاقاتهما تتطلب تفكيكاً للبنية التنظيمية نفسها قبل نقد المجتمع.
أما في حالة عبد الوهاب المسيري ..فإن المؤدلج يقتنص مفهوم العلمانية الشاملة ليوظفه كـ ترس في معارك الهوية الحزبية، محولاً إياه من نموذج تفسيري عميق يفكك تغلغل المادة و تشيؤ الإنسان إلى مجرد تهمة جاهزة يرمي بها خصومه، غافلاً عن أن المسيري كان يطرح رؤية إنسانية شاملة تتجاوز حدود الحزبية الضيقة وتنتقد المادية حتى لو كانت مغلفة بشعارات دينية.
وعند الوقوف أمام تراث علي عزت بيجوفيتش، نجد أن الشخصية التنظيمية تنبهر بصورة القائد والمجاهد، لكنه يمارس انتقائية جراحية تجاه فكره،
فيأخذ منه ما يعزز ثنائية الصدام مع الغرب، بينما يتجاهل عن عمد أطروحته المركزية في “الإسلام بين الشرق والغرب” التي تدعو إلى التركيب والاعتراف بالمنجز الإنساني وتدعو لرحابة الروح قبل صرامة التنظيم.
إنهم يريدون بيجوفيتش السياسي الذي يقود الحزب، ويخشون بيجوفيتش الفيلسوف الذي يحرر العقل من قيود الانغلاق.
هذه النماذج تؤكد أن المشكلة ليست في غموض النص، بل في غرض القارئ المؤدلج ، فالأيديولوجيا المنغلقة لا تبحث عن الحقيقة التي تحررها، بل عن الذخيرة التي تمدد بقاءها.
ثالثاً: سيكولوجية “العقل الصنمي” تجاه “الفكر الحركي”
المفكر المبدع بطبعه “حر”، وعقله يعمل في فضاءات مفتوحة. أما المؤدلج، فغالباً ما يكون عقله “وظيفياً”؛ يبحث عن الفائدة المباشرة للنمو التنظيمي.
* حين يقرأ المؤدلج لبيجوفيتش عن “الإسلام بين الشرق والغرب”، قد يعجز عن استيعاب الجانب الإنساني والفلسفي، ويحاول اختزال التجربة في “صدام سياسي” فقط.
* حين يقرأ للمسيري، قد يسقط في فخ استخدام “العلمانية الشاملة” كأداة للتبديع والتفسيق، بدلاً من استخدامها كأداة تحليلية لفهم تغول المادة على الإنسان.
رابعاً: الاستثناءات المضيئة .. المؤدلج المنفتح
لا يمكن تعميم الحكم بإطلاق، فهناك شخصيات استطاعت الجمع بين الانتماء التنظيمي الأيديولوجي والاستقلال المعرفي.
هؤلاء هم الذين:
– أدركوا أن الانتماء للمبدأ والفكرة أوسع من الانتماء للتنظيم.
– امتلكوا شجاعة نقد الذات واستخدام أدوات مالك بن نبي والمسيري لتفكيك أمراض تنظيماتهم قبل نقد خصومهم.
– انفتحوا حركياً وفكرياً فصاروا جسوراً بدلاً من أن يكونوا جدراناً.
وختاما
إن إدراك المغزى الحقيقي لهؤلاء المفكرين يتطلب تحطيم الأصنام الذهنية
أولاً.
لا يمكن لـ مالك بن نبي أن يغير مجتمعاً لا يزال أفراده يقرأونه بعقول أسيرة أيديولوجياً.
الفهم الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن قراءة هؤلاء المفكرين من أجل أن ننتصر لأيديولوجيتنا في معاركنا مع الآخر أو لنعزز ثقتنا بأنفسنا بعيدا عن الحقيقة.
الفهم الحقيقي عندما نبدأ في قراءتهم من أجل أن نتعلم منهم كيف نفكر بوعي وبصيرة وحرية.
شارك المقال























Leave a Reply