الثغرات في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


الملخص

تهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل نقدي للاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، مع التركيز على الثغرات السياسية والفكرية والاستراتيجية التي قد تقوض فعاليتها على المدى الطويل. تكشف الاستراتيجية عن تحول نوعي في الخطاب الأمني الأمريكي، يدمج حركات سياسية مع تنظيمات جهادية عنيفة، ويتجاهل الفروقات الجوهرية بينها، ويعتمد بشكل مفرط على القوة الصلبة دون معالجة الجذور العميقة للأزمات. تخلص الورقة إلى أن هذه المقاربة، المدفوعة بنزعة أيديولوجية ورؤية أحادية للسيادة، قد تزيد من تعقيد ظاهرة الإرهاب بدلا من احتوائها.

1. المقدمة: سياق الاستراتيجية وتحولاتها

تمثل الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، الصادرة في ظل إدارة ترامب، نقطة تحول بارزة في مقاربة الولايات المتحدة لتهديد الإرهاب العالمي. فبدلا من التركيز التقليدي على تنظيمات مسلحة محددة، توسعت هذه الاستراتيجية لتشمل تعريفا فضفاضا يدمج الحركات الإسلامية السياسية، والتنظيمات الجهادية ، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وحتى بعض أشكال الاحتجاج السياسي العابر للحدود . هذا التوسع المفهومي، الذي يتجلى بوضوح في إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن ما وصفته الاستراتيجية بـ)الإرهاب الإسلامي الحديث(، لا يعكس مجرد تغيير في التوصيف السياسي، بل يكشف عن إعادة هندسة للمفهوم الأمريكي ذاته للإرهاب .

تأتي هذه الاستراتيجية في سياق عالمي يتسم بتحولات عميقة في موازين القوى وتصاعد الفاعلين غير الدولتيين وتاكل شرعية التدخلات الخارجية . ومع ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول استعادة نموذج الهيمنة الأحادية عبر الأدوات الأمنية والعسكرية، مما يثير تساؤلات حول مدى فهمها لطبيعة التحولات الدولية . تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه الاستراتيجية من منظور نقدي، مع تسليط الضوء على الثغرات المفهومية والاستراتيجية والفكرية التي قد تحد من فعاليتها وتؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.

2. الثغرات المفهومية: دمج التيارات وتسييس التعريف

إن أخطر ما في المقاربة الأمريكية الجديدة هو الربط المباشر بين جماعات ذات أيديولوجيات وأهداف متباينة، مثل جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمي القاعدة وداعش، وكأنها تمثل امتدادا طبيعيا ومتجانسا لفكر واحد وبنية واحدة . هذا الربط يعكس تبسيطا شديدا لبنية الحركات الإسلامية المعاصرة، ويتجاهل الفوارق العقدية والسياسية والتنظيمية العميقة بين الإسلام السياسي الحركي والتنظيمات السلفية الجهادية.

على سبيل المثال، لا يعتبر تنظيم داعش الإخوان المسلمين مجرد خصم سياسي، بل ينظر إليهم باعتبارهم )مرتدين(، وقد أنتج أدبيات كاملة في تكفيرهم واتهامهم بخيانة )الحاكمية( والدخول في )الديمقراطية الكفرية( . بل إن جزءا كبيرا من خطاب داعش التعبوي تأسس أصلا على مهاجمة الحركات الإسلامية الإصلاحية والحركية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، باعتبارها سببا في )تمييع الجهاد( وتحويل الإسلام إلى مشروع سياسي براغماتي . ولذلك، فإن جمع هذه التيارات داخل سلة واحدة لا يكشف فقط خللا تحليليا، بل يعكس نزعة أيديولوجية تسعى إلى اختزال التعقيدات التاريخية والفكرية للمنطقة في نموذج أمني مبسط يخدم أولويات السياسة الأمريكية أكثر مما يخدم فهم الظاهرة نفسها.

هذا التبسيط ليس جديدا في العقل الاستراتيجي الأمريكي، بل يمثل امتدادا لتقليد سياسي قديم يقوم على إنتاج )عدو ( يسهل تعبئة الداخل الأمريكي ضده وتبرير التوسع الأمني والعسكري باسمه . ففي مرحلة الحرب الباردة كان )الخطر الشيوعي( هو الإطار الجامع، وبعد أحداث 11 سبتمبر أصبح)الإرهاب الإسلامي( هو المظلة الجديدة التي تندرج تحتها جماعات متناقضة ومتصارعة أحيانا . أما في النسخة الترامبية الجديدة، فإن مفهوم الإرهاب لم يعد مقتصرا على العنف المسلح، بل أصبح مفهوما فضفاضا يسمح بدمج الإسلام السياسي، والتطرف الجهادي، والهجرة، والاحتجاجات العابرة للحدود، داخل حقل أمني واحد . وهنا تتحول الاستراتيجية من وثيقة لمكافحة الإرهاب إلى وثيقة لإعادة تعريف المجال السياسي العالمي وفق الرؤية الأمريكية المحافظة .

تشير بعض الدراسات إلى أن هذا التسييس لمكافحة الإرهاب، وتحديدا تصنيف الإخوان المسلمين، قد يكون مدفوعا بأجندات سياسية داخلية أكثر من تقييم موضوعي للتهديد . كما أن إغلاق المجال السياسي أمام الحركات الإسلامية المدنية قد يكون عاملا مساهما في دفع بعض الأفراد نحو الراديكالية، لا العكس، وهو ما يتجاهله هذا التصور .

3. الثغرات الاستراتيجية: 

تتسم الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 بخطاب يركز على مركزية القوة الصلبة بوصفها الأداة الأساسية لإدارة العالم . الولايات المتحدة استعادت )هيبتها( و)قدرتها على الردع( تحت قيادة ترامب، عبر تصفية الأعداء، واستعادة الرهائن، وتوسيع العمليات العسكرية والاستخباراتية . ومع ذلك، يتجاهل هذا الخطاب بشكل متعمد سؤال النتائج طويلة المدى لهذه المقاربة.

فالسياسات القائمة على الضربات العسكرية والاغتيالات والتدخلات الأمنية المكثفة قد تنجح تكتيكيا في تفكيك خلايا أو قتل قادة، لكنها فشلت استراتيجيا في إنهاء البيئة المنتجة للعنف . بل إن التجربة الممتدة منذ غزو العراق إلى الحرب على أفغانستان وصولا إلى الفوضى الليبية والسورية، تؤكد أن المقاربة العسكرية كثيرا ما ساهمت في إنتاج موجات جديدة من التطرف بدل القضاء عليه . هذا الفشل الاستراتيجي يبرز قصورا بنيويا في الاستراتيجية الأمريكية التي تنظر إلى العالم من زاوية السيادة لا من زاوية جذور الأزمات .

تتعامل الولايات المتحدة مع نفسها بوصفها القوة التي تمتلك الحق الطبيعي في فرض النظام الدولي وتحديد من هو )المعتدل ومن هو )المتطرف(، دون مراجعة الدور الذي لعبته سياساتها الخارجية في إنتاج بيئات الغضب والعنف . فحين يتم تجاهل قضايا مثل الاحتلالالصهيوني ، والدعم غير المشروط لأنظمة قمعية، والانحيازات الجيوسياسية الحادة، والتفاوت الاقتصادي العالمي، فإن الحرب على الإرهاب تتحول إلى عملية إدارة مستمرة للأعراض بدل معالجة الأسباب . ولذلك تستمر التنظيمات الجهادية في الظهور بأشكال جديدة، لأن البيئة السياسية والنفسية والاجتماعية التي تغذيها ما تزال قائمة .

هذا التناقض العميق داخل الاستراتيجية الأمريكية نفسها واضح فهي تتحدث بلغة )الحسم النهائي( ، لكنها في الوقت ذاته توسع باستمرار تعريف العدو، بما يوحي بأن دائرة الخطر لا تنتهي . وهذا التوسع ليس دليلا على القوة بقدر ما يعكس أزمة في فهم الظاهرة .

4. الثغرات الفكرية والأيديولوجية

تكشف هذه الاستراتيجية عن صعود تأثير تيار فكري داخل دوائر القرار الأمريكية يميل إلى قراءة الشرق الأوسط من منظور حضاري صدامي، حيث يتم التعامل مع الإسلام السياسي بمختلف أطيافه باعتباره تهديدا كامنا للنظام الدولي الليبرالي . هذه الرؤية لا تميز بين منطق المشاركة السياسية ومنطق العنف الثوري، بل ترى في الاثنين درجات مختلفة من الخطر نفسه . ولذلك، فإن تصنيف الإخوان ضمن المجال المفاهيمي للإرهاب لا يمكن فصله عن تحولات أوسع داخل اليمين الأمريكي المحافظ، الذي بات يعتبر أن الفشل في احتواء الإسلام السياسي الناعم يؤدي في النهاية إلى إنتاج الإسلام الجهادي.

غير أن هذا التصور يتجاهل أن كثيرا من الدراسات المقارنة تشير إلى أن إغلاق المجال السياسي أمام الحركات الإسلامية المدنية قد يكون عاملا مساهما في دفع بعض الأفراد نحو الراديكالية، لا العكس . هذا المنطق الصدامي يعيد إنتاج سردية العدو التي كانت سائدة في مراحل سابقة، مثل الخطر الشيوعي، ويستخدمها لتبرير سياسات أمنية وعسكرية معينة .

إن القراءة الدقيقة لهذه الاستراتيجية تظهر أنها لا تعبّر فقط عن رؤية أمنية، بل عن أزمة إدراك أمريكية متزايدة تجاه طبيعة التحولات الدولية . فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تحاول استعادة نموذج الهيمنة الأحادية عبر الأدوات الأمنية والعسكرية، في وقت يشهد فيه العالم تحولات عميقة في موازين القوى، وتصاعداً في الفاعلين غير الدولتيين، وتاكلا في شرعية التدخلات الخارجية . ولذلك، فإن توسيع مفهوم الإرهاب وتحويله إلى إطار شامل لتفسير أزمات العالم، قد يمنح الإدارة الأمريكية قدرة أكبر على الحشد السياسي داخليا، لكنه في المقابل يضعف قدرتها على الفهم الدقيق والمعالجة الفعالة .

5. الخاتمة

في المحصلة، فإن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 لا تكشف فقط عن تحول في تعريف العدو، بل تكشف أيضا عن مأزق بنيوي في العقل الأمني الأمريكي نفسه . هذا المأزق يقوم على الاعتقاد بأن القوة العسكرية والتصنيفات الأيديولوجية الواسعة قادرة على إنتاج الاستقرار العالمي، بينما تؤكد الوقائع المتراكمة أن تجاهل جذور المظالم والصراعات لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيدا .

إن ربط الإخوان المسلمين بالقاعدة وداعش ليس مجرد خطأ تحليلي عابر، بل تعبير عن رؤية سياسية تختزل التاريخ والفكر والصراع في سردية أمنية أحادية . هذه السردية، التي تبدو أقرب إلى الدعاية السياسية منها إلى التحليل الاستراتيجي الرصين.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *