رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
تجمع مختلف الدراسات السياسية على أن الأحزاب المغربية تعيش أزمة بنيوية عميقة، انعكست على أدائها السياسي وعلاقتها بالمجتمع. هذه الأزمة ليست طارئة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية ارتبطت بمسار الانتقال الديمقراطي المتعثر في المغرب، وطبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والمجتمع. يهدف هذا المقال إلى تشخيص أبرز أعطاب السياسة الحزبية في المغرب، وتحليل تداعياتها على المسار الديمقراطي، واقتراح مداخل للإصلاح تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الأحزاب والمواطنين.
المظاهر البنيوية والوظيفية للأزمة الحزبية
تعيش الأحزاب السياسية في المغرب أزمة مركبة تتجاوز حدود التنافس الانتخابي أو ضعف الحضور الجماهيري، لتكشف عن اختلالات بنيوية عميقة تمس طبيعة العمل الحزبي ووظيفته داخل النظام السياسي والمجتمع. فالأحزاب التي يفترض أن تكون وسيطا بين الدولة والمواطن، وقوة اقتراح وتأطير وتعبئة، تحولت في نظر قطاع واسع من المغاربة إلى مؤسسات فاقدة للفاعلية السياسية والقدرة على تمثيل المجتمع، وهو ما انعكس بشكل واضح في تنامي العزوف الانتخابي، وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، واتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي.
ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة ضعف استقلالية الأحزاب وارتهان جزء كبير منها لموازين القوة والنفوذ داخل الدولة. فبدل أن تمارس الأحزاب دورها الطبيعي كقوى سياسية مستقلة تمتلك رؤى وبرامج ومواقف نابعة من قواعدها الاجتماعية، أصبحت في كثير من الأحيان مرتبطة بمنطق التوافقات المفروضة أو التوازنات التي تحددها مراكز القرار. وقد أدى هذا الوضع إلى إضعاف شخصية الحزب السياسية، وتحويله من إطار للنضال السياسي والدفاع عن المشاريع المجتمعية إلى مجرد أداة انتخابية موسمية تنشط خلال الحملات الانتخابية ثم تختفي بعدها. كما ساهم هذا الارتهان في تشابه الخطابات الحزبية وغياب الفوارق الإيديولوجية الواضحة بينها، مما جعل المواطن يشعر بأن الأحزاب لم تعد تعبر عن اختيارات سياسية حقيقية بقدر ما أصبحت تسعى إلى التموقع داخل السلطة والحفاظ على الامتيازات المرتبطة بها.
وفي السياق ذاته، برزت ظاهرة الريع السياسي باعتبارها أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في إفراغ العمل الحزبي من مضمونه النضالي. فقد تحول الانتماء الحزبي بالنسبة للكثيرين إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية والوصول إلى الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، سواء عبر المناصب الانتخابية أو المسؤوليات الحكومية أو شبكات النفوذ المرتبطة بالصفقات والوساطات. ونتيجة لذلك، أصبحت بعض الأحزاب تستقطب الأعيان وأصحاب المال أكثر مما تستقطب الكفاءات الفكرية والسياسية، لأن القدرة المالية والوزن الاجتماعي أصبحا عاملين حاسمين في الترشح والفوز الانتخابي. وهذا التحول أدى إلى هيمنة منطق المقاولة السياسية، حيث ينظر إلى الحزب باعتباره استثمارا يحقق النفوذ والمكانة، وليس مؤسسة تؤطر المواطنين وتدافع عن قضاياهم. كما ساهم ذلك في تعزيز صورة سلبية عن السياسي باعتباره شخصا يسعى إلى الامتيازات أكثر من سعيه إلى خدمة الصالح العام.
ولا يمكن فهم أزمة الأحزاب المغربية دون التوقف عند غياب الديمقراطية الداخلية وتكلس القيادات الحزبية. فالكثير من الأحزاب تعاني من احتكار القيادة من طرف شخصيات ظلت لعقود تتحكم في القرار الحزبي، بينما تتحول المؤتمرات والانتخابات الداخلية إلى إجراءات شكلية هدفها إعادة إنتاج نفس النخب. ويؤدي هذا الجمود إلى إضعاف التداول الديمقراطي داخل الأحزاب وإقصاء الطاقات الشابة والكفاءات الجديدة، خاصة أن معايير الولاء الشخصي والعلاقات العائلية غالبا ما تتغلب على معايير الكفاءة والاستحقاق. كما تعاني النساء والشباب من ضعف التمثيلية الحقيقية داخل الأجهزة القيادية، رغم الخطاب المتكرر حول التحديث والمناصفة وتجديد النخب. ونتيجة لذلك، أصبحت الأحزاب عاجزة عن مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، خصوصا في ظل صعود جيل جديد أكثر ارتباطا بالفضاء الرقمي وأقل اقتناعا بالأشكال التقليدية للعمل السياسي.
ومن المظاهر الأخرى للأزمة هيمنة الثقافة التقليدية ومنطق الوجاهة الاجتماعية على الحياة الحزبية والانتخابية. فبدل أن يكون التنافس قائما على البرامج والرؤى السياسية، لا يزال جزء مهم من العملية السياسية يخضع لمنطق العائلة والقبيلة والنفوذ المحلي والاعتبارات الزبونية. وفي العديد من المناطق، يتم اختيار المرشحين بناء على قدرتهم المالية أو مكانتهم الاجتماعية أكثر من كفاءتهم السياسية أو الفكرية. وهذا ما يجعل الانتخابات في كثير من الأحيان امتدادا للبنيات التقليدية داخل المجتمع، بدل أن تكون الية لتحديثه وتعزيز قيم المواطنة والمؤسسات. كما أن استمرار هذا المنطق يضعف الثقافة الديمقراطية ويجعل الناخب ينظر إلى الحزب باعتباره مجرد وسيلة لتوزيع المنافع والخدمات وليس فضاء للنقاش العمومي وصناعة القرار السياسي.
وقد انعكست هذه الاختلالات بشكل مباشر على أداء المؤسسات المنتخبة ووظيفتها الأساسية. فالبرلمان والمجالس المحلية، التي يفترض أن تكون فضاءات للتشريع وصناعة السياسات العمومية ومراقبة السلطة التنفيذية، أصبحت في نظر شريحة واسعة من المواطنين مؤسسات محدودة الفاعلية، تغلب عليها الحسابات الحزبية الضيقة والتوافقات المرتبطة بالمصالح. كما تحول دور العديد من المنتخبين من ممثلين للمواطنين إلى وسطاء لقضاء المصالح الفردية والتدخلات المحلية، مما أضعف الوظيفة التمثيلية للمؤسسات المنتخبة. وأدى هذا الواقع إلى تنامي الإحساس بعدم جدوى المشاركة السياسية، خاصة لدى الشباب، الذين باتوا يعتبرون أن الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير حقيقي في السياسات أو في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
إلى جانب ذلك، تعاني الأحزاب المغربية من ضعف كبير في التأطير الفكري والإنتاج السياسي. فباستثناء بعض اللحظات التاريخية التي لعبت فيها الأحزاب دورا فكريا ونضاليا بارزا، أصبح الحضور الفكري والثقافي للأحزاب محدودا، وتراجع دورها في إنتاج الأفكار والنقاشات المرتبطة بقضايا المجتمع الكبرى. كما تقلص حضورها داخل الجامعات والنقابات والفضاءات الثقافية، لصالح فاعلين جدد كوسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين والتيارات غير المؤطرة حزبيا. وهذا التراجع جعل الأحزاب تفقد قدرتها على تأطير الرأي العام وصياغة مشاريع مجتمعية واضحة، لتصبح في كثير من الأحيان مجرد آلات انتخابية تشتغل بمنطق الحملات الموسمية.
إن أزمة الأحزاب المغربية ليست أزمة تنظيمات سياسية فقط، بل هي في العمق أزمة ثقة ووظيفة وتمثيل. فضعف الاستقلالية، وهيمنة الريع، وغياب الديمقراطية الداخلية، وسيطرة الأعيان، وتراجع الثقافة السياسية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الحياة الحزبية وتحويلها إلى فضاء محدود التأثير في المجتمع. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للحياة السياسية في المغرب يظل مرتبطا بإعادة الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه ممارسة ديمقراطية قائمة على التمثيل الحقيقي والتأطير الفكري والاستقلالية السياسية، وليس مجرد آلية انتخابية لإعادة إنتاج النخب والمصالح القائمة.
الآثار الارتدادية للأزمة على المسار الديمقراطي
إن فشل الأحزاب المغربية في الاضطلاع بأدوارها الأساسية لم يعد مجرد أزمة تخص التنظيمات السياسية وحدها، بل تحول إلى معضلة تمس المجتمع والدولة ومسار التحول الديمقراطي برمته. فالأحزاب التي يفترض أن تكون فضاءً للتأطير السياسي وصناعة النخب والدفاع عن مصالح المواطنين، أصبحت في كثير من الأحيان عاجزة عن إنتاج بدائل حقيقية أو استعادة ثقة الشارع، الأمر الذي أدى إلى نتائج عميقة ومتراكمة انعكست على مختلف مستويات الحياة السياسية والاجتماعية. ومن أبرز هذه النتائج إعادة إنتاج الفساد بشكل مستمر، حيث تتكرر الوجوه نفسها المرتبطة بسوء التدبير والمحسوبية وضعف الكفاءة في كل استحقاق انتخابي، وكأن العملية الانتخابية لا تؤدي إلى التداول وتجديد النخب بقدر ما تساهم في إعادة تدويرها داخل المشهد ذاته. هذا الواقع يكشف خللا بنيويا يجعل المؤسسات الحزبية عاجزة عن إفراز قيادات جديدة تحمل رؤى مختلفة أو مشاريع إصلاحية قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع، مما يكرس الإحساس العام بأن الانتخابات لا تغير شيئا في الواقع السياسي أو الاجتماعي.
كما أدى هذا الوضع إلى اتساع دائرة العزوف السياسي وفقدان الثقة في المشاركة الانتخابية، إذ أصبح جزء كبير من المواطنين ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالا مغلقا لا يحقق تطلعاته ولا ينعكس إيجابا على حياته اليومية. وعندما يفقد المواطن اقتناعه بجدوى صوته، تتراجع نسب المشاركة ويزداد الانسحاب من الشأن العام، وهو ما يسمح باستمرار الهيمنة التقليدية للنخب المنظمة والمستفيدة من الوضع القائم، بينما تتحول الأغلبية إلى مجرد متفرج فاقد للإيمان بإمكانية التغيير عبر الآليات المؤسساتية. هذا العزوف لا يعبر فقط عن موقف سلبي من الأحزاب، بل يكشف عن أزمة ثقة أعمق تمس العلاقة بين المجتمع والسياسة بشكل عام.
وفي السياق نفسه، ساهم ضعف الأداء الحزبي في تشويه صورة السياسة داخل الوعي الجماعي، حيث لم تعد السياسة تفهم باعتبارها تنافسا حول الأفكار والبرامج والمشاريع المجتمعية، بل أصبحت مرتبطة في أذهان كثيرين بالصراعات الشخصية والسعي نحو الامتيازات والمناصب. ومع تراجع الخطاب الفكري والبرامجي داخل الأحزاب، وهيمنة الحسابات الانتخابية الضيقة، فقد العمل السياسي جزءا كبيرا من رمزيته ودوره التربوي والتأطيري، مما عمق حالة النفور الشعبي من المجال السياسي برمته، وجعل السياسيين عرضة لانتقادات متزايدة وفقدان المصداقية.
ولا تقف اثار الأزمة عند هذا الحد، بل تمتد إلى إضعاف المشروع الديمقراطي نفسه، لأن الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية تشكل الوسيط الطبيعي بين الدولة والمجتمع، وتنقل مطالب المواطنين وتؤطرهم داخل قنوات مؤسساتية سلمية. لكن حين تضعف هذه الوساطة أو تفقد فعاليتها، تتسع الفجوة بين المواطن والدولة، ويصبح الإحساس بالتهميش والقطيعة أكثر حضورا. وفي ظل غياب قنوات سياسية قادرة على استيعاب المطالب الاجتماعية وتأطيرها، قد تتجه بعض أشكال التعبير نحو الاحتجاج غير المؤطر أو نحو أنماط بديلة من الفعل خارج المؤسسات التقليدية. لذلك فإن أزمة الأحزاب المغربية ليست مجرد أزمة تنظيمية أو انتخابية عابرة، بل هي أزمة مشروع سياسي وديمقراطي كامل، لأن أي تحول ديمقراطي حقيقي يظل رهينا بوجود أحزاب قوية ومستقلة وقادرة على تجديد نخبها واستعادة ثقة المواطنين وصياغة برامج تعبر عن انتظارات المجتمع وتطلعاته المستقبلية.
مداخل الإصلاح والتحول نحو ممارسة حزبية بديلة
إن الحديث عن إصلاح الحياة الحزبية في المغرب لم يعد ترفا فكريا أو نقاشا نخبويا معزولا عن الواقع، بل أصبح ضرورة سياسية ومجتمعية تفرضها التحولات الداخلية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة. فالأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية اليوم لا ترتبط فقط بتراجع الثقة الشعبية فيها، وإنما تمتد إلى طبيعة الممارسة السياسية نفسها التي تحولت في نظر قطاعات واسعة من المواطنين إلى مجال للمصالح الضيقة والامتيازات بدل أن تكون فضاء للتأطير والمشاركة وصناعة القرار العمومي. غير أن هذا الواقع، رغم تعقيداته، ليس قدرا محتوما، بل يمكن تجاوزه إذا توفرت إرادة إصلاحية حقيقية تجمع بين الإصلاح القانوني والمؤسساتي والتحول الثقافي داخل المجتمع والأحزاب معاً.
ويظل المدخل الأساسي لأي تحول جدي هو إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية، لأن القوانين الحالية رغم ما عرفته من تعديلات، لم تنجح في بناء أحزاب قوية ديمقراطية وقادرة على إنتاج النخب والبرامج. فالدعم العمومي الذي يخصص للأحزاب تحول في كثير من الأحيان إلى مجرد الية لضمان البقاء التنظيمي أو تمويل الحملات الانتخابية دون أثر حقيقي على جودة الأداء السياسي. لذلك يصبح من الضروري ربط هذا التمويل بمؤشرات دقيقة تتعلق بالديمقراطية الداخلية والشفافية المالية واحترام دورية المؤتمرات وتجديد القيادات وإشراك النساء والشباب في مواقع القرار. كما ينبغي أن يوجه جزء مهم من هذا التمويل إلى التكوين السياسي والفكري وإعداد الكفاءات القادرة على التدبير والتواصل وصناعة البرامج، لأن الأحزاب التي لا تستثمر في التأطير والتكوين تتحول تدريجيا إلى هياكل انتخابية موسمية لا تمتلك رؤية ولا مشروعا مجتمعيا واضحا.
ومن جهة أخرى، فإن إصلاح الحياة السياسية يظل مستحيلا دون مواجهة ظاهرة الريع السياسي التي أصبحت أحد أبرز عوامل فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. فقد ارتبط العمل السياسي لدى فئات واسعة بالسعي نحو الامتيازات والمصالح الشخصية أكثر من ارتباطه بخدمة الصالح العام، وهو ما ساهم في بروز شبكات الزبونية والتحالفات المبنية على النفوذ والمال. إن تقليص الامتيازات المرتبطة بالمناصب الانتخابية وربط التعويضات والمكافات بالمردودية الفعلية للمنتخبين يمكن أن يساهم في إعادة الاعتبار للفعل السياسي بوصفه مسؤولية وتكليفاً لا مجرد وسيلة للاغتناء أو تحقيق النفوذ. كما أن تعزيز اليات الحكامة والشفافية، خاصة عبر رقمنة الصفقات العمومية وتسهيل مراقبتها وتتبعها، سيساعد على الحد من الفساد المحلي ومن شبكات المصالح التي أفسدت جزءا كبيرا من الممارسة الحزبية والانتخابية.
وفي السياق نفسه، تبدو الأحزاب المغربية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتجديد خطابها السياسي، لأن الخطابات التقليدية القائمة على الشعارات العامة والوعود الفضفاضة لم تعد قادرة على إقناع المواطن الذي أصبح أكثر وعيا وأكثر ارتباطا بالنتائج الملموسة. فالمواطن لا ينتظر خطابات عاطفية أو صراعات إيديولوجية قديمة، بل يبحث عن حلول حقيقية لمشاكل البطالة والتعليم والصحة وغلاء المعيشة والسكن والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، فإن الأحزاب مطالبة بالانتقال من منطق الشعارات إلى منطق البرامج الدقيقة المبنية على الأرقام والمؤشرات والخطط الزمنية القابلة للتقييم والمحاسبة. كما أن تطوير أدوات التواصل السياسي المبني على المعطيات والدراسات الواقعية سيجعل الخطاب الحزبي أكثر مصداقية وقدرة على استعادة ثقة الرأي العام.
غير أن أي إصلاح حقيقي سيظل ناقصا إذا استمرت الأحزاب في الانغلاق على نفس النخب والوجوه التي تديرها منذ عقود. فالشباب المغربي، الذي يمثل الأغلبية الديموغرافية، يشعر في كثير من الأحيان بأن الأحزاب فضاءات مغلقة لا تسمح بالصعود إلا عبر الولاءات والعلاقات الشخصية. ولذلك فإن تجديد النخب السياسية يقتضي فتح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة الفعلية في القيادة وصناعة القرار، ليس فقط عبر الشعارات، بل من خلال اليات واضحة تضمن حضور الشباب في القوائم الانتخابية والهياكل التنظيمية والهيئات التقريرية. كما أن الاستثمار في التكوين السياسي للشباب داخل الأحزاب من شأنه أن يخلق جيلا جديدا أكثر كفاءة وقدرة على فهم التحولات المعاصرة وتدبيرها، لأن أزمة السياسة في جانب منها هي أيضاً أزمة نخب وتجديد فكري.
إلى جانب ذلك، فإن إصلاح الأحزاب لا يمكن أن يتم بمعزل عن توسيع فضاء الحريات العامة، لأن الديمقراطية الحزبية ترتبط عضويا بوجود مجتمع مدني قوي وإعلام حر ونقابات مستقلة قادرة على الرقابة والنقد والضغط. فالتجارب الديمقراطية عبر العالم أثبتت أن الأحزاب تتطور حين تجد نفسها أمام مجتمع يقظ يراقب أداءها ويحاسبها ويطالبها بالتجديد. أما في ظل ضعف الفضاء العمومي وتراجع أدوار الوسائط المجتمعية، فإن الأحزاب تميل إلى الانغلاق وإعادة إنتاج نفس الأساليب التقليدية. لذلك، فإن توسيع حرية التعبير والتنظيم والصحافة لا يعد فقط مطلبا حقوقيا، بل شرطا سياسيا أساسيا لتطوير الحياة الحزبية وتعزيز ثقافة المحاسبة والشفافية.
ويبقى العامل الحاسم في أي مسار إصلاحي هو وجود ضغط مجتمعي واع ومستمر يفرض التغيير ويدفع الأحزاب إلى مراجعة ذاتها. فالتاريخ السياسي يؤكد أن الأحزاب نادرا ما تصلح نفسها تلقائيا، بل غالبا ما يتم ذلك تحت تأثير ضغط الرأي العام والحركات الاجتماعية والنخب الفكرية والإعلام والنقابات. إن بناء مواطن واعٍ بحقوقه وقادر على التمييز بين الخطاب الجاد والشعارات الفارغة يشكل أساس أي تحول ديمقراطي حقيقي. فحين يصبح الناخب أكثر اهتماما بالبرامج والكفاءة والنزاهة، ستجد الأحزاب نفسها مضطرة للتكيف مع هذا الوعي الجديد. لذلك فإن إصلاح الحياة الحزبية ليس مسؤولية الأحزاب وحدها، بل هو مشروع مجتمعي شامل يقتضي تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والإعلام والنخب الفكرية والمواطنين من أجل بناء ممارسة سياسية أكثر نزاهة وفعالية وقدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي.
خاتمة
إن التغيير في المغرب ممكن، لكنه ليس سريعا ولا تلقائيا. إنه يحتاج إلى إرادة سياسية جادة من داخل الأحزاب والدولة، وإلى ضغط مجتمعي مستمر من القاعدة. الشرط الجوهري هو الانتقال من منطق الامتيازات إلى منطق الخدمة العامة، ومن الشعارات إلى البرامج، ومن الانغلاق إلى الانفتاح على الشباب والمجتمع المدني. عندها فقط يمكن للأحزاب أن تتحول من مؤسسات هشة إلى أدوات حقيقية لبناء الديمقراطية وتعزيز ثقة المواطنين في السياسة.
شارك المقال























Leave a Reply