متى يقتنع الحرس السياسي العجوز أن زمنه انتهى؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


هناك ظاهرة غريبة لا تكاد تجد لها مثيلا إلا في بعض الأحزاب المغربية، حيث هناك زعماء يرفضون مغادرة المشهد السياسي وكأنهم وقعوا عقدا أبديا مع الكراسي. تمر السنوات، وتتغير الحكومات، وتتبدل الأجيال، وتتطور المجتمعات، بينما تبقى بعض الوجوه السياسية ثابتة في أماكنها وكأن الزمن توقف عندها منذ عقود.

المغاربة ولدوا وكبروا وشاب شعر بعضهم وهم يشاهدون الأسماء نفسها تتصدر المشهد. قيادات أصبحت أقدم من كثير من المؤسسات نفسها، ومع ذلك لا تزال تتحدث عن المستقبل وكأنها اكتشفت السياسة بالأمس فقط. والمفارقة أن هذه الوجوه التي تتحدث باستمرار عن الديمقراطية والتداول والحداثة، هي نفسها التي تمارس نوعا من الاحتكار السياسي داخل أحزابها، حيث يصبح الزعيم جزءا من الأثاث الحزبي الذي لا يمكن المساس به.

ما الذي قدمه هؤلاء بعد كل هذه العقود؟ سؤال مشروع يطرحه المواطن البسيط الذي يرى بلاده تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بينما ينشغل بعض السياسيين بمعارك شخصية وصراعات داخلية ومهرجانات كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع.

بعض هؤلاء القادة تحولوا إلى رموز لجمود سياسي مزمن. لا يريدون الاعتراف بأن الزمن تجاوزهم، ولا يبدون أي استعداد لإفساح المجال أمام جيل جديد يحمل أفكارا مختلفة ورؤية أكثر انسجاما مع تحديات العصر. وكأن الحزب لا يستطيع العيش بدونهم، وكأن المغرب عقيم عن إنجاب كفاءات جديدة قادرة على القيادة.

النتيجة كانت كارثية على صورة العمل السياسي. ملايين الشباب أصبحوا ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها فضاءات مغلقة تدور فيها الوجوه نفسها والخطابات نفسها والوعود نفسها. كيف يمكن إقناع شاب بالمشاركة السياسية وهو يرى أن السقف الزجاجي داخل بعض الأحزاب أقوى من أي طموح مشروع؟

الأكثر إثارة للسخرية أن بعض الزعماء لا يغادرون مواقعهم إلا عندما يفرض الواقع ذلك فرضا أو نحو القبر، أما فكرة التقاعد السياسي الطوعي فلا تزال بالنسبة إليهم أشبه بنظرية خيالية لم يحن وقت تطبيقها بعد. في الدول الديمقراطية المتقدمة يعتبر القائد الذي يهيئ جيلا جديدا لخلافته رجل دولة، أما عندنا فالبعض يتصرف وكأن المنصب إرث عائلي أو حق مكتسب مدى الحياة.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن جزءا من أزمة السياسة في المغرب ليس في غياب الكفاءات، بل في وجود حواجز بشرية تمنع هذه الكفاءات من الصعود. فكيف تتجدد الأحزاب إذا كانت القيادة محتكرة؟ وكيف تتطور الأفكار إذا كان أصحاب القرار أنفسهم لم يتغيروا منذ عشرات السنين؟

وفي خضم هذا المشهد، ظلت المؤسسات الوطنية تضطلع بأدوارها في الحفاظ على الاستقرار وضمان استمرارية الدولة، بينما فشلت أحزاب كثيرة في تجديد نخبها وتطوير أدائها بالشكل الذي ينتظره المواطن.

لقد آن الأوان لقول صراحة، بأن السياسة ليست دارا للمسنين، وليست مكانا للإقامة الدائمة. فمن حق أي مسؤول أن يفتخر بمساره، لكن ليس من حقه أن يحول الحزب إلى رهينة لتاريخه الشخصي. لغن الأوطان تتقدم بتجدد النخب، والأحزاب تقوى بتداول القيادة، أما التشبث الأبدي بالكراسي فلا يصنع إلا مزيدا من العزوف وفقدان الثقة.

لقد تعب المغاربة من مشاهدة الحلقة نفسها تتكرر كل مرة. وتعبوا من وجوه استهلكت كل ما لديها من أفكار وما زالت ترفض مغادرة المسرح. فالتاريخ لا يرحم، والزمن لا ينتظر أحدا، ومن لا يفهم هذه الحقيقة يكتشف متأخرا أن المشكلة لم تعد في خصومه، بل في بقائه هو نفسه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *