إعفاءات أم محاسبة؟ من يجيب المغاربة عن مليارات دعم الماشية؟

رصد المغرب / رشيد أكوراي


لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي اليوم هو: من أُعفي من منصبه؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: من سيُحاسَب؟

ففي أعقاب الجدل الواسع الذي رافق تدبير ملف القطيع الوطني وأسعار الأضاحي، وما تلاه من إعفاء عدد من المسؤولين الجهويين بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، برز مطلب شعبي واضح مفاده أن الإعفاء الإداري وحده لا يكفي إذا لم يُرفق بمحاسبة فعلية وتدقيق مالي وقانوني شفاف يكشف للرأي العام وعبر وسائل الإعلام الرسمية أين صُرفت الأموال العمومية، ومن استفاد منها، وما هي النتائج التي تحققت على أرض الواقع.

المعطيات الرسمية تشير إلى أن الدولة عبأت غلافاً مالياً ضخماً لدعم قطاع الماشية وإعادة تكوين القطيع الوطني، حيث تحدثت الحكومة عن ما يقارب 13 مليار درهم موجهة لبرامج حماية القطيع ودعم المربين في مواجهة آثار الجفاف المتتالي. كما تم الإعلان عن برامج دعم مباشر لإناث الأغنام والماعز بقيمة 400 درهم للرأس بالنسبة للأغنام و300 درهم للرأس بالنسبة للماعز، إلى جانب دعم الأعلاف وإعادة جدولة ديون المربين.

في المقابل، تؤكد وزارة الفلاحة أن ما يروج حول “13 مليار درهم دعماً مباشراً للمستوردين” غير دقيق، موضحة أن الدعم المباشر لاستيراد الأغنام لم يتجاوز حوالي 437 مليون درهم خلال سنتي 2023 و2024، بينما يتعلق الجزء الأكبر من الأرقام المتداولة بإعفاءات وتدابير جبائية استثنائية.

غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في حجم الأموال، بل في تقييم أثرها الحقيقي على السوق الوطنية وعلى القدرة الشرائية للمواطن.

فإذا كانت الدولة قد ضخت مليارات الدراهم لإنقاذ القطيع الوطني، وإذا كانت الإحصائيات الرسمية تتحدث اليوم عن أكثر من 32 مليون رأس من الماشية بالمملكة، منها أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام، وإذا كان العرض المعلن يفوق الطلب الوطني المقدر بين 6 و7 ملايين رأس خلال عيد الأضحى، فلماذا ظل المواطن يواجه أسعاراً مرتفعة؟ ولماذا بقيت الشكوك تحوم حول دور الوسطاء والسماسرة والمضاربين داخل الأسواق؟

هنا ينتقل النقاش من المجال السياسي إلى المجال القانوني.

فالفصل 36 من دستور المملكة يمنع بشكل صريح كل أشكال استغلال النفوذ والاحتكار والمضاربة غير المشروعة والإخلال بقواعد المنافسة الحرة والنزيهة.

كما أن القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يمنح للسلطات المختصة صلاحيات واسعة للتحقيق في الممارسات المنافية للمنافسة والاتفاقات السرية والاحتكار والتلاعب بالأسعار.

أما القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية فيمنح للمجلس الأعلى للحسابات صلاحيات افتحاص الأموال العمومية وتتبع أوجه صرفها وتحديد المسؤوليات عند وجود اختلالات في التدبير.

وعليه، فإن أي شبهات تتعلق بتوجيه الدعم بعيداً عن أهدافه الأصلية، أو تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المال العام، أو استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق منافع خاصة، تقتضي فتح تحقيقات مالية وإدارية وقضائية مستقلة لترتيب المسؤوليات وفقاً للقانون.

إن المغاربة لا يطالبون برؤوس تسقط إعلامياً، بل يطالبون بحقيقة كاملة.

من استفاد؟

كم استفاد؟

كيف استفاد؟

وأين انعكس ذلك على الأسعار وعلى القطيع الوطني؟

فالديمقراطية لا تقاس بعدد الإعفاءات، بل بقدرة المؤسسات على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

حلول عملية للخروج من الأزمة

نشر لوائح المستفيدين من جميع أشكال الدعم بشكل مفصل وشفاف.

إخضاع برامج الدعم لافتحاص سنوي إلزامي من طرف المجلس الأعلى للحسابات.

رقمنة مسار الدعم من المصدر إلى المستفيد النهائي.

تشديد مراقبة الأسواق لمحاربة المضاربة والاحتكار.

إنشاء أسواق نموذجية دائمة تربط المنتج بالمستهلك مباشرة دون وسطاء.

توجيه الجزء الأكبر من الدعم نحو صغار المربين بدل التركيز على الفاعلين الكبار.

اعتماد نظام تتبع إلكتروني لرؤوس الماشية المدعمة.

إحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق متى توفرت مؤشرات جدية على وجود اختلالات في تدبير المال العام.

لقد أثبتت التجارب أن المال العام لا تحميه البلاغات ولا الإعفاءات، وإنما تحميه الشفافية والرقابة والمساءلة.

فإذا كانت الدولة قد أنفقت المليارات من أجل حماية القطيع الوطني، فإن من حق المواطن أن يعرف بدقة أين ذهبت تلك الأموال، وما إذا كانت قد حققت الأهداف التي رُصدت من أجلها.

وإلى أن تتضح الحقيقة كاملة، سيظل السؤال معلقاً في أذهان المغاربة:

هل كانت الأزمة أزمة جفاف فقط، أم أزمة حكامة أيضاً؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *