رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
تعدّ تصريحات محمد الساسي لموقع فبراير من أكثر الشهادات السياسية أهمية خلال السنوات الأخيرة، ليس لأنها تتضمن اتهامات مباشرة أو تصفية حسابات شخصية، بل لأنها صادرة عن أحد المؤسسين الفعليين للتجربة التي قادت إلى نشوء الحزب الاشتراكي الموحد. لذلك فإن قيمتها الأساسية تكمن في كونها شهادة من داخل المطبخ التنظيمي لليسار المغربي، تكشف آليات اشتغال السلطة داخل حزب ظل يقدم نفسه باعتباره نموذجا للديمقراطية الداخلية والتجديد السياسي.
غير أن القراءة المتأنية لهذه الشهادة تفرض التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة، وهي مستوى النقد التنظيمي الداخلي. ومستوى أزمة القيادة والشخصنة. ومستوى أزمة اليسار المغربي ككل.
أولاً: من نقد الأشخاص إلى نقد البنية
الخطأ الذي يقع فيه كثير من المتابعين هو اختزال كلام الساسي في كونه هجوما على نبيلة منيب. وفي الواقع، إذا قرأنا أقوله قرائة كاملة، نجد أن الساسي يحاول أن يقدم أطروحة أعمق من مجرد انتقاد شخص. لأن جوهر أطروحته، هو عندما تصبح صورة القائد أقوى من المؤسسات، تبدأ الأزمة.
الساسي لا يقول إن منيب هي المشكلة الوحيدة، بل يقول إن الحزب سمح بظهور مناخ يجعل النقد صعبا، ويحول الزعامة من وظيفة سياسية إلى مصدر للشرعية التنظيمية. وهنا يقترب تحليله من أحد الأمراض التاريخية التي عرفتها أحزاب اليسار في العالم كله، وهي تقديس القائد. واختزال المشروع في شخص. وتراجع النقاش الجماعي. وكذلك تحول المؤسسات إلى آليات تزكية. وكل ذلك يعد مفارقة كبيرة لأن اليسار كان دائما ينتقد هذه الظواهر عند خصومه. فلماذا ركز الساسي على “عبادة الشخصية”؟
المفهوم الأكثر حضورا في حديثه هو أن ذلك ليس صدفة أنه استحضر شخصيات مثل محمد بنسعيد آيت يدر. وعمر بلافريج. وكريم التازي. ونادية الحريف. وجمال العسري. وغيرهم، فالهدف من هذا السرد ليس تعداد الأسماء. بل إثبات فكرة واحدة، هي كل من اقترب من مركز القرار ثم اختلف معه انتهى إلى القطيعة أو التهميش بل حتى الطرد.
فمن منظور الساسي، المشكلة ليست في وجود خلافات. فكل الأحزاب تعرف الخلافات. لكن عندما تتكرر القطيعة مع عدد كبير من القيادات والكفاءات، يصبح السؤال المشروع هو هل المشكلة في الأشخاص أم في طريقة إدارة الخلاف؟ وهذا في الحقيقة هو السؤال المركزي الذي يطرحه الرجل.
وأخطر ما كشفه الساسي، وأخطر ما ورد في الشهادة ليس الحديث عن منيب. بل حديثه عن مؤتمر الحزب وقضية نادية الحريف. لأن الساسي هنا يعترف لأول مرة بأنه شارك في معالجة أزمة يعتبرها اليوم خاطئة سياسيا وتنظيميا. وهذا الاعتراف مهم جدا لأنه يكشف أمرا نادرا في السياسة المغربية، وهي أن مسؤول سياسي يعترف بخطأ ارتكبه في مرحلة سابقة.وهو ما يعطي بعض المصداقية لبقية شهادته، لأن الرجل لا يضع نفسه خارج دائرة المسؤولية. بل يقول بشكل واضح: “كنت مخطئا”. وهذه نقطة كثيرا ما يتم تجاهلها عند قراءة الحوار. فهل يتهم الساسي منيب بالنرجسية؟
إذا أردنا الدقة الفكرية، فالساسي لم يستعمل لفظ “النرجسية” بشكل مباشر. لكنه وصف سلوكيات يمكن أن تفهم سياسيا باعتبارها مركزية مفرطة للقيادة. وحساسية تجاه النقد. وصعوبة في تدبير الاختلاف. وميل إلى شخصنة الإنجازات. لكن تحويل ذلك إلى تشخيص نفسي يبقى أمرا غير ممكن. لأننا لا نملك سوى رواية سياسية من طرف واحد. لأن الحكم على شخصية فردية يحتاج إلى معطيات أخرى لا تتوفر في الحوار. لأن هناك سؤال يروج، وهو هل أصبح الحزب الاشتراكي الموحد حزبا إداريا؟
هنا يجب التوقف عند مفهوم “الحزب الإداري”. ففي المغرب، الحزب الإداري يعني عادة حزبا أنشأته السلطة أو رعته. أو حزبا يشتغل لخدمة خيارات الدولة أكثر من خدمة مشروعه السياسي. والحقيقة أن تصريحات الساسي لا تقدم دليلا على أن الحزب الاشتراكي الموحد أصبح حزبا إداريا بالمعنى التقليدي. بل ما يقوله الساسي أقرب إلى فكرة أخرى، وهي أن الحزب فقد جزءا من روحه النقدية والديمقراطية الداخلية. وهذا يختلف كثيرا عن كونه حزبا إداريا. لأن الحزب ظل يتبنى مواقف معارضة في قضايا عديدة، منها الريف. وجرادة. والحريات العامة. وتوزيع الثروة. وأيضا الإصلاح الدستوري. بل إن الساسي نفسه يذكر بذلك في بداية الحوار عندما يشيد بمواقف الحزب الجريئة. لذلك فالوصف الأدق، هو أن هناك أزمة تنظيمية وسياسية داخل حزب معارض، وليس تحولا مؤكدا إلى حزب إداري. فما الذي يقوله الحوار عن أفول اليسار المغربي؟
هنا نصل إلى النقطة الأهم. ففي العمق، الحوار لا يتحدث عن منيب. ولا عن الساسي. بل عن مأزق اليسار المغربي كله. فمن خلال كلامه يمكن استخلاص أربعة أسباب كبرى للتراجع وهي:
1. الصراعات الشخصية. حيث تحول الخلاف الفكري إلى صراع بين أشخاص.
2. ضعف الثقافة الديمقراطية. جحيث هناك وجود صعوبة في تدبير الاختلاف الداخلي.
3. فشل مشاريع الوحدة، وهنا الساسي يلمح بوضوح إلى تراجع الحماس لمشروع الاندماج اليساري.
4. الشخصنة. وهو ما يعني الاعتماد على رمزية القائد أكثر من بناء المؤسسات.
فهل يمكن اعتبار السياسي محمد الساسي محايد؟
الجواب هو لا. وهذا أمر طبيعي. فالساسي طرف في الصراع. فقد كان عضوا في القيادة. ثم أصبح معارضا داخل الحزب. ثم غادر. لذلك فإن شهادته مهمة جدا لكنها ليست الحقيقة المطلقة. بل هي رواية من داخل المعركة. لأن في أي قراءة موضوعية ينبغي وضعها مقابل روايات أخرى لقيادات الحزب وأنصار نبيلة منيب الذين قد يقدمون تفسيرا مختلفا للأحداث نفسها.
خلاصة، إذا أردنا تلخيص الرسالة العميقة التي يحملها هذا الحوار في جملة واحدة، فهي أن محمد الساسي لا يعلن فقط خلافه مع نبيلة منيب، بل يوجه نقدا جذريا لطريقة تطور الحزب الاشتراكي الموحد خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن الشخصنة وتراجع العمل الجماعي وتآكل ثقافة النقد الداخلي ساهمت في إضعاف الحزب وإرباك مشروع اليسار الوحدوي.
أما اعتبار هذه الشهادة دليلا نهائيا على أن الحزب أصبح “حزبا إداريا” أو أن جميع قياداته كانت تمارس النفاق السياسي، فذلك استنتاج يتجاوز ما قاله الساسي نفسه. ما تكشفه الشهادة بوضوح أكبر هو وجود أزمة ثقة داخل اليسار المغربي، وصراع بين منطق المؤسسة ومنطق الزعامة، وهي أزمة ليست حكرا على الحزب الاشتراكي الموحد، بل تكاد تكون سمة عامة لكثير من التنظيمات الحزبية العربية والمغاربية.
شارك المقال























Leave a Reply