رصد المغرب / العلمي الحروني (منسق تيار اليسار الجديد المتجدد)
بداية، لا بد من تثمين الجرأة الفكرية التي تحكم وثيقة “الطريق الرابع” لصاحبها ذ. مصطفى المريزق ، خاصة في دعوتها إلى مساءلة المسلمات وإعادة فتح النقاش حول أزمة اليسار وأشكال انغلاقه الإيديولوجي، ورفضها لتحويل الفكر إلى عقيدة مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة النهائية. فهذه الروح النقدية تتقاطع في جوانب عديدة مع ما تدعو إليه أرضية “تيار اليسار الجديد المتجدد” من ضرورة التجديد والاجتهاد والانفتاح على التحولات الفكرية والمجتمعية، ورفض الجمود والدوغمائية.
غير أن هذا التقاطع لا يمنع من إثارة بعض الملاحظات النقدية الأساسية:
أولا- من نقد الإيديولوجيا إلى إضعاف الوظيفة التاريخية للفكرة
تنطلق وثيقة “الطريق الرابع” من نقد مشروع لظاهرة تحول الإيديولوجيا إلى يقين مغلق، لكنها تبدو أحيانا وكأنها تضع الإيديولوجيا في موضع الاتهام الدائم باعتبارها مصدر الانغلاق الأساسي. والحال أن الإشكال ليس في وجود الإيديولوجيا في حد ذاتها، بل في تحولها إلى دوغما غير قابلة للنقد.
لم يكن ، اليسار، تاريخيا، منهجا نقديا مفتوحا مجردا، لقد كان أيضا في عمقه مشروعا مجتمعيا يحمل رؤية للعالم ولمصالح الطبقات والفئات الشعبية وللعدالة الاجتماعية. وعندما يتم التركيز على نقد الإيديولوجيا دون الحديث عن مضمون البديل المجتمعي، يصبح هناك خطر الانزلاق نحو براغماتية بدون بوصلة أو نقد بلا أفق تاريخي.
ثانيا- هل اليقين دائما نقيض النقد؟
تعتبر وثيقة “الطريق الرابع” أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحلم إلى يقين مغلق، وأن الإيمان بالفكرة قد يصبح أهم من اختبارها. في هذا الإطار، وجب التمييز، بداية، بين اليقين العلمي المرتبط بالتحليل التاريخي والاجتماعي وبين اليقين العقائدي المغلق.
لقد تطرقنا في أرضية اليسار الجديد المتجدد لضرورة الانفتاح والتجديد، وفي الآن نفسه نؤكد أن الماركسية ليست شكا دائما ولا نسبية مطلقة، وإنما هي منهج/أداة لفهم الواقع وقوانينه واتجاهاته العامة.
وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن في امتلاك قناعات استراتيجية أو تصورات كبرى للتغيير، وإنما في تحويلها إلى مسلمات فوق التاريخ وفوق النقد.
ثالثا- اختزال أزمة اليسار في البعد الإيديولوجي
تميل وثيقة “الطريق الرابع” إلى تفسير جانب مهم من أزمة اليسار المغربي باعتباره نتاجا لانغلاق فكري وإيديولوجي.
في حين نرى في تيار اليسار الجديد المتجدد أن الأزمة أعقد من ذلك بكثير؛ فهي ترتبط أيضا بتحولات الرأسمالية العالمية، وبروز أشكال جديدة للعمل والاستغلال، وأزمة التنظيمات السياسية، وضعف الارتباط بالحركات الاجتماعية، والتحولات الجيوسياسية والثقافية العميقة التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة.
لذلك فإن نقد الإيديولوجيا، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتفسير التراجع أو لبناء مشروع بديل.
رابعا- الحاجة إلى تحديد البديل
تدعو الوثيقة إلى “تحرير اليسار من سجن الإيديولوجيا”، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: ما هو الإطار النظري والسياسي البديل الذي سينظم الفعل الجماعي؟
غير أنه إذا كان اليسار مطالبا بالاجتهاد والتخلص من الأنساق المغلقة، فإنه يحتاج في المقابل إلى منظومة قيم ومفاهيم ورؤية استراتيجية تمكنه من تحديد موقعه من قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية والملكية والاقتصاد والدولة والثقافة الوطنية والهوية والمسألة الدينية والعلاقات الدولية.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل “الطريق الرابع” يقدم بديلا فكريا متكاملا أم أنه يظل أساسا حبيس مشروع نقدي لتجارب اليسار القائمة؟
خامسا- من أجل توسيع المساحة المشتركة
التحدي الحقيقي، في نظرنا، ليس تحرير اليسار من الإيديولوجيا في حد ذاتها، بل تحرير الإيديولوجيا من التحجر والدوغمائية، وجعلها أفقا نقديا مفتوحا وقابلا للمراجعة والتجديد وفق اجتهادات مفكرين جدد من رواد الماركسية الجديدة، كمدرسة فكرية ماركسية تشمل مناهج القرن العشرين التي تعدل أو توسع الماركسية ونظريتها من خلال دمج عناصر من التقاليد الفكرية الأخرى مثل النظرية النقدية أو التحليل النفسي أو الوجودية… من علماء اجتماع وعلماء النفس… تشتمل أمثلة الماركسية الجديدة على الماركسية التحليلية، والماركسية البنيوية الفرنسية، والنظرية النقدية، والدراسات الثقافية. وهي إجتهادات وجب أخذها بالاعتبار في عملية إعادة بناء اليسار الجديد بالمعنى الاجتماعي الواسع، ويمكن في ذلك الاستناد أيضا لاجتهادات كل من أنطونيو نيغري ومايكل هاردت وسمير أمين ومهدي عامل وعزيز بلال وإدوارد سعيد وآخرين. ذلك لجعل الأيديولوجيا أداة لفهم الواقع وتحليله والعمل على تغييره، لا عقيدة مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، ولا تأملا فكريا مجردا يفتقد إلى المشروع التاريخي والرهان المجتمعي.
وفي هذا الإطار، يبقى الحوار الفكري الهادئ والمسؤول بين مختلف الاجتهادات اليسارية ضرورة ملحة، ليس من أجل إلغاء الاختلاف، وإنما من أجل تحويله إلى مصدر للإغناء المتبادل، وإلى قوة دافعة لتجديد الفكر والممارسة معا، خدمة لقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
رغم الاختلافات، إذن، توجد مساحة مشتركة مه وثيقة الخط الرابع، تتمثل في رفض الجمود الفكري، والدعوة إلى التجديد، والانفتاح على المجتمع، وإعادة بناء العلاقة بين الفكر والممارسة، ورفض تحويل التنظيمات السياسية إلى هياكل مغلقة ومعزولة عن الديناميات الشعبية.
لذلك فإذا اعتبرنا الوثيقة ” مساهمة في إثارة الأسئلة، فإن سعينا ثابت إلى الجمع بين التجديد الفكري والحفاظ على أفق تحرري واضح المعالم، يقوم على إعادة بناء المشروع اليساري وليس تفكيك مسلماته فحسب.
عموما، فإن التحدي الحقيقي ليس تحرير اليسار من الإيديولوجيا بقدر ما هو تحرير الإيديولوجيا نفسها من التحجر، وجعلها أداة نقدية متجددة لفهم الواقع وتغييره، لا عقيدة مغلقة أو تأمل فكري بلا مشروع تاريخي.
سادسا- لا تجديد لليسار دون أفق نظري واضح
إذا كنا نتفق مع وثيقة “الطريق الرابع” في ضرورة نقد الانغلاق الإيديولوجي والتحرر من أشكال التقديس الفكري، فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة إلى تجاوز الحاجة إلى النظرية أو التقليل من دورها في بناء المشروع اليساري إذ لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية. فالتجارب التاريخية بينت أن أي مشروع تحرري يحتاج إلى إطار نظري قادر على فهم آليات الاستغلال والتهميش والهيمنة، وعلى بلورة استراتيجيات وتكتيكات التغيير الديمقراطي والاجتماعي بصورة منهجية ومتجددة. ومن هذا المنطلق، فإن النظرية ليست فتوى فوقية أو نسقا مغلقا، بل هي ثمرة اجتهاد جماعي وحوار متواصل بين الفكر والممارسة، وبين مختلف الفاعلين والقوى الساعية إلى التغيير.
كما أن إعادة بناء اليسار لا يمكن أن تتم عبر الاكتفاء بنقد الإيديولوجيا، لأن الأمر يقتضي أيضا إعادة الاعتبار لوظيفتها التاريخية باعتبارها منظومة من القيم والأفكار والمعايير الموجهة للفعل الجماعي. فالإيديولوجيا اليسارية، في بعدها النقدي والتجديدي، ليست نقيضا للعلم ولا بديلا عنه، وإنما هي بناء فكري مفتوح يستند إلى التحليل العلمي للواقع وإلى التراكم التاريخي للتجارب الإنسانية الساعية إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. ومن هنا يظل من المشروع التساؤل عما إذا كان الخطاب الداعي إلى تجاوز الإيديولوجيا يقطع فعلا مع الدوغمائية فقط، أم أنه قد ينزلق، من حيث لا يدري، إلى إعادة إنتاج بعض الأطروحات التي بشرت منذ عقود بـ”نهاية الإيديولوجيا” و”انتصار النموذج الليبرالي”، وهي الأطروحات التي سعت إلى تقديم الليبرالية باعتبارها أفقا محايدا ونهائيا للتاريخ، في حين أنها بدورها تعبر عن رؤية إيديولوجية محددة ومصالح اجتماعية وسياسية قائمة. لذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن الإيديولوجيا، بل تجديدها باستمرار، وإخضاعها للنقد والمراجعة، وربطها بالحاجات الفعلية للمجتمع وبمشروع تاريخي ديمقراطي وتحرري واضح المعالم.
وأخيرا وجبت الإشارة إلى أن أغلب مكونات اليسار المغربي ” أعلن استقالته من الأيديولوجا اليسارية ” ولا حاجة موضوعية حقيقية للدعوة لتركها. فهل انساق هذا اليسار مع الأطروحات الليبرالية، لما بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، المعلنة لـ ” موت الايديولوجيا” و “نهاية عصر الأيديولوجيات”؟ أطروحات نظر لها ” علماء السياسة والاجتماع” اليبراليون في النصف الثاني من القرن العشرين، بمؤلفات عديدة ” نهاية التاريخ” (فوكوياما)، “نهاية الأيديولوجيا” (بيل دانيال)، “أفيون المثقفين” (ريمون آرون)، “الإنسان السياسي” (سيمور ليبست)، وآخرون، هم في الواقع منظرون لـ ” انتصار الليبرالية على الماركسية” و لـتكريس “هيمنة اليمين على الحياة السياسية” في اللاوعي الجماهيري كسلاح سياسي لإدانة أو انتقاد مجموعة الأفكار والقيم العقائدية المنافسة لدرجة أصبح مصطلح ” أيديولوجيا” و كلمة ” مؤدلج” سبة في الوقت الذي يتم التنكر بأن الليبرالية أيديولوجيا في حد ذاتها؟
شارك المقال























Leave a Reply