لغويات -1-

رصد المغرب/الهداج محمد 

أغلبنا يظن أن ما يراه بأم عينيه لا دخل له فيه إلا النظر، وذاك من مفاعيل العادة التي تحدث عن عجائبها المتقدمون، عندما اعتقد الناس لقرون خلت أن السببية توجد في عالم الشهود فنبه المتكلمون إلى أنها من عالم الغيب، أول من فعل ذلك على حد علمي متكلم معتزلي يُدعى صالح قبة، وإن اشتهر الأشاعرة بالمقولة لاتخاذهم إياها منزعا في النظر وأصلا في مباحث الحاكم والمحكوم في أصولهم الفقهية. والسببية اليوم من أكبر معضلات نظريات العلم وفلسفات العلوم.

اشتهرت مدرسة ألمانية في علم النفس بدراسة الإدراك والبحث في كيفيات حدوثه وأثر المُدرِك في المُدرَك، وعُرفت بنظرية الجشطالت أو علم نفس الصورة، ومن أهم مبادئها ما يسمونه بمبدأ الإتمام (ترجمتي) The principle of closure. وحاصله نزوع الذهن إلى تزويد الإدراك بما يجعله كلا متسقا أو بنية مألوفة. (نرى في الصورة أدناه دائرتين وباندا، بفعل نزوع في الذهن للبحث عن معنى، لا لوجود هذا هناك).

ونقوم بنفس الأمر في فهمنا للخطاب الطبيعي، ولاعتيادنا الأمر لا نراه، كحالنا مع السببية أعلاه.

أنظر إلى الأمثلة التالية:

– زيد وفاطمة متزوجان.

– زيد عنده طفلان.

– أخرجت فاطمة مفتاحا من حقيبتها وفتحت الباب.

– لم أتناول الفطور.

– حضر الجميع للحفل.

الذي فهمتموه هو التالي:

– زيد وفاطمة متزوجان “من بعضهما البعض”.

– زيد عنده طفلان “بالضبط”.

– أخرجت فاطمة مفتاحا من حقيبتها وفتحت الباب “بالمفتاح الذي أخرجت من الحقيبة”.

– لم أتناول الفطور “هذا الصباح”.

– حضر جميع “المدعوين” للحفل.

الموضوع بين اللامتين في كل عبارة لا يُوجد في منطوقها وإنما هو زيادة من السامع في سياق التخاطب.

الأمثلة التي ضربت تجمع بعض معضلات الدراسات اللغوية في الغرب منذ ما يفوق القرن اليوم. أقفال المعضلة هي:

– إذا كانت الدلالة في المنطوق، فكيف نفهم ما ليس فيه؟.

– إذا كان الهدف هو صياغة نموذج صوري يحكي كيفية اشتغال اللغة، فكيف سيتم إدماج هذا الذي يجعل فهم اللامنطوق من المنطوق في نسق صوري؟.

– إذا كان السياق جزء ما هية اللغة فكيف السبيل إلى نسق منطقي يشمله؟.

– هل تستطيع الأنساق المنطقية المسك بكل مظاهر اللغة وظواهرها؟ أم أنها سباحة في غير ماء؟.

هذه فقط بعض الأسئلة التي تؤرق مضاجع أهل اللغة في الغرب منذ عقود، والتي توهمنا بعض الكتابات لدينا في اللغة بأن الجواب عنها قد تمّ وأن الخلاف حولها قد حُسِم، والحقيقة أن الدراسات اللغوية الغربية لم تحسم أي قضية من قضايا اللغة الشائكة، وإنما هي نظريات كل واحدة تناضل من أجل أن تكون هي الكاشفة، لكن الأفق في جميعها لا يبدو فيه خيط نور، وهذا لا يمنع أن يكون فيها نفع في الطريق.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *