رصد المغرب/محمد الهداج
لم أعلم إلا البارحة، بوفاة الفيلسوف الأمريكي جون سيرل وبعد تسعة أشهر من وفاته.
جون سيرل فيلسوف أمريكي اشتهر أولا بإكمال نظرية أستاذه، فيلسوف أكسفورد جون أستين، في أفعال الكلام. لا أحب الرجل كثيرا، لوثوقية خطابه وعجرفة ناعمة تتخلل محاضراته، وتلوح لي دائما في ذهني عند سماعه صورة راعي البقر المثقف. لكنه فيلسوف كبير ومن أذكياء العالم بوصف يستعمله المتقدمون من أئمتنا. ذكرتُ كلامه وسماعه، لأني عرفت الرجل أولا بسماع محاضراته في جامعة باركلي التي درّس فيها أكثر من نصف قرن، وكانت في موقع الجامعة، فعرفته أولا أستاذا بارعا ومتمكنا ومحبا لما يقوم به. في محاضرته الأولى طلب من طلبته أن يغفروا له تعبه لأنه كان قد قدم ليلتها من ندوة في أوروبا. لم يأخذ أسبوعا للراحة مع كبر سنه ساعتها، لأنه كما نستشعر من دروسه ومحاضراته العامة شغوف بعمله، تدريسا كان أم تأليفا.
كان يحب في محاضراته وكتبه أن يضرب الأمثال للتقريب، ويَعد ضرب الأمثال مُهما في عمل الفيلسوف. وعند حديثه عن اللغة وخصائصها العجيبة، تحدث عن بعض ما تجعله ممكنا مما لا ننتبه إليه كالقدرة على استحضار أمر مضى على حدوثه سنوات أو قرون أو حتى آلاف القرون، وكان يحب ضرب الأمثال بكلبه جلبرت. وقد كان من عادته أن يسمي كلابه بأسماء الذي كان لهم أثر كبير على فكره. فكان عنده كلب سماه فريجه وآخر راسل وآخر لودفيج فيتجنشتين ثم جلبرت يقصد فيلسوف أكسفور الأكبر جلبرت رايل. في سياق ثقافة أخرى كنا لنظن أنهم ألد أعدائه.
يقول إن اللغة لا تتحدث فقط عما هو كائن ولكن كذلك عن الممكن وعن الافتراضي. ويستدعي كلبه جلبرت، الذي عند سماع طرق بالباب لن يدور “بخلده” أن يفكر: “يا ليت الطارق يكون زيدا” (أحكي بالمعنى فبيني وبين المحاضرات زمن).
عرف سيرل برفضه القاطع لإمكان صياغة نظرية صورية في الدلالة، ويقول في كل مناسبة أن الصورية لا تزيد من معرفتنا باللغة شيئا.
جون سيرل غادر أمريكا في شبابه للدراسة في جامعة أكسفور زمن عمالقتها الكبار: بول غرايس وجلبرت رايل وبيتر شتراوسن وأوستين، والأخيرين أشرفا على أطروحته وخصهما بالذكر أولا في مقدمة كتابه “أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة”، الذي صاغ فيه نظريته في أفعال الكلام، والذي كانت نواته هي أطروحتُه لنيل درجة الدكتوراة كما يقول في نفس المقدمة. وقد بقي وفيا لروح مدرسة أكسفورد، التي كانت أهم معارض للتيار الصوري، والذي مثله راسل وفيتجنشتين الأول وحلقة فيينا. ومن أهم آرائه في اللغة أنها لا تدل بمنطوقها، إلا في سياق وعلى أرضية ما أسماه بالخلفية the background. فالمعنى لا يكون حرفيا إلا بتجوّز قد يتسع مدى هذا التجوّز وقد يضيق.
شارك المقال























Leave a Reply