كيف تعيد النخب إنتاج نفسها؟

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

بعتبر استمرار النخب السياسية والاقتصادية نفسها في التحكم بمفاصل السلطة والثروة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في المغرب وفي العديد من الدول النامية. فمع كل استحقاق انتخابي أو نقاش عمومي يتجدد السؤال حول أسباب بقاء الوجوه ذاتها والعائلات نفسها في صدارة المشهد السياسي والاقتصادي، رغم اتساع دائرة الانتقادات الشعبية للأحزاب والمؤسسات التمثيلية. غير أن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في القول إن المواطنين ما زالوا يثقون بشكل مطلق في النخب القائمة، ولا في اعتبار أن تلك النخب تنجح دائما في إقناع المجتمع ببرامجها ومشاريعها. فالمسألة أكثر تعقيدا وترتبط ببنية تاريخية وسياسية واقتصادية متشابكة تجعل عملية تجديد النخب أمرا بالغ الصعوبة.

لقد شهدت العقود الأخيرة تراجعا ملحوظا في الثقة الشعبية تجاه الفاعلين السياسيين، وبرز ذلك من خلال تنامي العزوف عن العمل الحزبي، وضعف مشاركة الشباب في التنظيمات السياسية، واتساع رقعة النقد الموجه للأحزاب عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية. ومع ذلك فإن تراجع الثقة لا يؤدي بالضرورة إلى ظهور بديل قادر على الحلول محل النخب القائمة. فرفض الواقع لا يكفي وحده لصناعة واقع جديد، لأن بناء البدائل يحتاج إلى موارد بشرية وتنظيمية ومالية وإلى قدرة على التأطير والتعبئة والتواصل مع المجتمع. ولهذا نجد أن كثيرا من المواطنين يعبرون عن استيائهم من المشهد السياسي القائم، لكنهم في الوقت نفسه لا يجدون قوة سياسية جديدة تمتلك المصداقية والخبرة والقدرة التنظيمية الكافية لفرض نفسها كبديل حقيقي.

ويعود جزء من هذه الإشكالية إلى طبيعة النظام السياسي الحديث الذي لا تقوم فيه الأحزاب بدور انتخابي محض، بل تشكل جزءا من البنية المؤسساتية للدولة. فالأحزاب تساهم في إنتاج النخب، وتأطير المنتخبين، وتدبير المؤسسات المحلية والوطنية، وتوفير قنوات الوساطة بين المجتمع والسلطة. ولذلك فإن استمرار الأحزاب لا يرتبط فقط بحجم شعبيتها، بل أيضا بالدور الوظيفي الذي تؤديه داخل النسق السياسي العام. وحتى عندما تفقد جزءا من شعبيتها فإنها تظل محتفظة بمواقعها التنظيمية والمؤسساتية التي تسمح لها بالاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.

غير أن العامل الأكثر تأثيرا في بقاء النخب القديمة يتمثل في العلاقة الوثيقة بين السلطة السياسية والنفوذ الاقتصادي. فالسياسة ليست مجالا منفصلا عن الاقتصاد، بل إن كلا المجالين يتغذيان من بعضهما البعض. ومن يمتلك الثروة والقدرة على الوصول إلى الموارد وشبكات العلاقات الواسعة تكون لديه فرص أكبر للوصول إلى مواقع القرار والتأثير. ولذلك تتكرر ظاهرة انتقال النفوذ من جيل إلى اخر داخل بعض العائلات أو المجموعات الاجتماعية، حيث لا يرث الأبناء الأموال فقط، بل يرثون أيضا شبكات العلاقات والرمزية الاجتماعية والخبرة المتراكمة والقدرة على الوصول إلى مراكز النفوذ. وفي هذه الحالة تصبح المنافسة غير متكافئة بين أفراد ينطلقون من مواقع اجتماعية مختلفة، إذ يجد القادمون الجدد أنفسهم في مواجهة منظومات نفوذ تراكمت عبر عقود طويلة.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذه الظاهرة تعرف بإعادة إنتاج النخب، وهي عملية لا تتم فقط عبر الانتخابات أو المؤسسات الرسمية، بل عبر اليات اجتماعية وثقافية واقتصادية متداخلة. فالعائلة ذات النفوذ تستطيع أن توفر لأبنائها تعليما أفضل، وعلاقات أوسع، وفرصا أكبر للاندماج في دوائر القرار، بينما يفتقر كثير من أبناء الفئات الأخرى إلى الإمكانيات نفسها. وبهذا المعنى فإن التفاوت في الفرص لا يبدأ عند صندوق الاقتراع، بل يبدأ منذ المراحل الأولى للتنشئة الاجتماعية والتعليمية والمهنية.

كما أن استمرار بعض الأنماط التقليدية في الثقافة السياسية يساهم بدوره في إعادة إنتاج الوجوه ذاتها. ففي العديد من المناطق ما تزال العلاقات الشخصية والروابط العائلية وشبكات المصالح المحلية تلعب دورا مهما في تشكيل السلوك الانتخابي. فكثير من الناخبين لا يصوتون بالضرورة انطلاقا من البرامج السياسية أو الرؤى الاقتصادية، بل بناء على معرفة شخصية بالمرشح أو ارتباطه بعائلة معروفة أو قدرته على تقديم خدمات محلية مباشرة. ونتيجة لذلك تتحول الانتخابات في بعض الأحيان إلى منافسة بين شبكات نفوذ أكثر منها منافسة بين مشاريع مجتمعية متباينة.

ولا يمكن إغفال مسؤولية الأحزاب نفسها عن هذه الوضعية، إذ تعاني كثير من التنظيمات السياسية من ضعف الديمقراطية الداخلية ومن محدودية تداول المسؤوليات داخل هياكلها. فبدلا من أن تكون الأحزاب مدارس لتكوين القيادات الجديدة، تتحول أحيانا إلى فضاءات مغلقة تهيمن عليها شخصيات محددة لفترات طويلة. ويؤدي ذلك إلى إحباط الطاقات الشابة وإضعاف فرص الصعود السياسي أمام الكفاءات الجديدة، مما يكرس الشعور بأن المجال السياسي محتكر من طرف فئة محدودة لا تسمح بتجديد النخب بشكل حقيقي.

وفي السياق نفسه، فإن بنية الاقتصاد الوطني تساهم في تفسير استمرار التركز السياسي. فحين تتركز الثروة والاستثمار وفرص الوصول إلى الأسواق والموارد في يد عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، يصبح من الطبيعي أن ينعكس هذا التركز على المجال السياسي. فالقوة الاقتصادية تمنح أصحابها وسائل إضافية للتأثير في القرار العمومي، سواء عبر التمويل أو العلاقات أو الحضور الإعلامي أو النفوذ المحلي. ولهذا يشعر جزء من المواطنين بأن الحراك الاجتماعي محدود، وأن فرص النجاح السياسي والاقتصادي ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه.

ورغم كل هذه الاختلالات، فإن التغيير الجذري لا يتحقق بمجرد وجود حالة من السخط الشعبي. فالتاريخ السياسي يبين أن الانتقال نحو نخب جديدة يتطلب مسارا طويلا من التراكم المؤسساتي والثقافي والتنظيمي. فظهور قيادات جديدة يحتاج إلى تعليم جيد، ومجتمع مدني نشيط، وأحزاب ديمقراطية، وإعلام حر، وفرص متكافئة للمنافسة، وثقافة سياسية قائمة على الكفاءة والمحاسبة. كما يحتاج إلى مشاركة واسعة من المواطنين في الشأن العام بدلا من الاكتفاء بموقع المتفرج أو الناقد.

إن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بسبب استمرار النخب الحالية، بل بكيفية بناء شروط تجديدها. فالمشكلة الأساسية ليست وجود نخب قوية فحسب، وإنما ضعف المسارات التي تسمح بظهور نخب بديلة قادرة على المنافسة. وبين استمرار شبكات النفوذ التقليدية وضعف البدائل المنظمة تتشكل حالة من الجمود النسبي تجعل المشهد السياسي والاقتصادي يدور في دائرة مغلقة. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام أي مشروع إصلاحي لا يكمن في إسقاط النخب القديمة فقط، بل في بناء مؤسسات واليات تضمن تداول النخب، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يصبح المجال العام مفتوحا أمام جميع الكفاءات بغض النظر عن الانتماء العائلي أو الموقع الاجتماعي أو حجم الثروة. وعندها فقط يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من منطق إعادة إنتاج النخب إلى منطق تجديدها بصورة مستمرة ومتوازنة.

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *