رصد المغرب/ عزالدين لفحل
لقد أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدها الثغر المحتل سبتة إلى الواجهة نقاشًا قديمًا يتجدد كلما مرت الدولة بظرف استثنائي: كيف ينبغي أن نقرأ الأحداث الوطنية؟ وهل يكفي مقطع مصور أو منشور متداول على وسائل التواصل الاجتماعي لبناء موقف سياسي أو إصدار حكم على مؤسسات الدولة؟
بوصفي طالبا في المجال القانوني، وباحثا مهتما بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية والدبلوماسية، ومن خلال ما تلقيته من تكوين أكاديمي على أيدي أساتذتي، أدركت أن الدولة ليست مجرد ردود أفعال آنية، وليست مؤسسة تُدار بمنطق العاطفة أو ضغط الرأي العام، وإنما هي منظومة قانونية وسيادية معقدة، تتحرك وفق اعتبارات الأمن القومي، والمصلحة العامة، والالتزامات الدستورية والدولية، وهي اعتبارات لا تظهر جميعها للرأي العام في لحظة الحدث.
لقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالمقاطع المصورة والآراء والتحليلات حول ما وقع في سبتة، حتى أصبح من السهل على أي شخص أن يقدم نفسه محللًا سياسيًا أو خبيرًا في إدارة الأزمات. غير أن دراسة القانون تعلمنا أن الحقيقة لا تُبنى على جزء من الوقائع، بل على اكتمال الأدلة والقرائن. وإذا كان القضاء لا يصدر أحكامه إلا بعد التحقق من الوقائع وسماع مختلف الأطراف، فمن الأولى أن يكون تعاملنا مع القضايا الوطنية قائمًا على المنهج نفسه، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من الموضوعية واحترام الحقيقة.
ومن المبادئ المستقرة في القانون العام أن السلطة التنفيذية ليست ملزمة بالإفصاح عن جميع تفاصيل إدارتها للأزمات، لا سيما إذا تعلق الامر بالأمن الوطني أو بالعلاقات الدولية أو بالمفاوضات الدبلوماسية. فالصمت الرسمي لا يعني بالضرورة غياب القرار، كما أن قلة التصريحات لا تعني ضعف الدولة. فكثير من الملفات الحساسة تُدار بعيدًا عن الأضواء حفاظًا على المصالح العليا للوطن، لأن نجاح الدبلوماسية كثيرًا ما يكون رهينًا بالحكمة أكثر من الخطابة، وبالنتائج أكثر من كثرة التصريحات.
وتعلمنا دراسة الحقوق والحريات أن الدولة الديمقراطية تقوم على معادلة دقيقة بين حماية الأمن العام وضمان الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور. فلا يجوز أن تتحول الحرية إلى فوضى، كما لا ينبغي أن تتحول حماية النظام العام إلى ذريعة للمساس بالحقوق خارج إطار القانون. وسيادة القانون تقتضي أن يخضع الجميع، أفرادًا وسلطات، لأحكام الدستور والقانون، لأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في مؤسساتها وعدالة قوانينها.
كما أن العلاقات بين الدول لا تدار بمنطق ردود الفعل السريعة أو الخطابات العاطفية، وإنما بمنطق المصالح، والتوازنات، والاتفاقيات الدولية، وحسابات الأمن والاستقرار. فما يبدو للبعض تأخرًا في اتخاذ موقف قد يكون في الحقيقة جزءًا من استراتيجية تفاوضية، وما يفسره آخرون على أنه ضعف قد يكون سياسة لتجنب التصعيد والحفاظ على فرص الحل في إطار الشرعية الدولية.
وفي خضم هذه الأحداث، برزت أيضا مشاهد لشباب يحاولون الهجرة، وهو مشهد مؤلم يمس وجدان كل مغربي. فمن الطبيعي أن يسعى الإنسان إلى تحسين ظروف عيشه، لكن من المؤلم أن تتحول الهجرة غير النظامية إلى حلم لدى بعض الشباب. فهذه الظاهرة ليست دليلًا على كراهية الوطن، ولا ينبغي أن تُستغل لتشويه صورته، وإنما هي قضية اجتماعية واقتصادية وإنسانية تعالجها مختلف دول العالم بسياسات التنمية والتشغيل والإدماج، إلى جانب المقاربة القانونية والأمنية.
إن الهجرة غير النظامية ليست حلًا، بل قد تكون بداية لمعاناة جديدة، لما تنطوي عليه من مخاطر على الحياة والكرامة والاستقرار القانوني والإنساني. ولذلك فإن بناء المستقبل لا يكون بالمغامرة في البحر أو بتجاوز الحدود، وإنما بالعلم، والعمل، والإبداع، والمساهمة في تنمية الوطن، مع المطالبة بالإصلاح عبر الوسائل المشروعة التي يكفلها الدستور والقانون.
ولا شك أن تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع فرص الشغل، وتحقيق العدالة المجالية، تظل أهدافًا وطنية مشروعة، تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع معًا. فالأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها، ولا تُقاس قيمة المواطن بالمكان الذي يعيش فيه، وإنما بما يقدمه لوطنه من علم، وإخلاص، وعمل نافع.
وبوصفي مغربيًا أعتز بوطني، وأؤمن بثوابته الوطنية، وعلى رأسها الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية والترابية، والمؤسسة الملكية، فإن الدفاع عن المغرب لا يعني إنكار التحديات التي يواجهها، كما أن حب الوطن لا يقتضي تبرير كل شيء دون نقاش. فالوطنية الحقيقية هي أن نجمع بين الاعتزاز بالوطن ومؤسساته، وبين الإيمان بأن الإصلاح المستمر هو سبيل قوة الدول واستقرارها. فالولاء للوطن لا يتعارض مع التفكير النقدي المسؤول، بل يتكامل معه متى كان النقاش قائمًا على المعرفة، والاحترام، والاحتكام إلى القانون.
إن أحداث الثغر المحتل سبتة تذكرنا بأن الدولة ليست منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا مقطع فيديو لا تتجاوز مدته دقائق معدودة، وإنما هي مؤسسات، ودستور، وقانون، ورؤية استراتيجية، وتاريخ، ومصالح وطنية عليا. ومن هنا فإن قراءة مثل هذه الأحداث تتطلب قدرًا من الوعي، والصبر، والإحاطة القانونية والسياسية، بعيدًا عن التسرع في إصدار الأحكام.
وفي الختام، فإن الوطنية ليست انفعالًا عابرًا، ولا شعارات تردد عند الأزمات، وإنما هي مسؤولية ووعي واحترام للقانون، وإيمان بالمؤسسات، وثقة في قدرة الوطن على مواجهة التحديات. وسيظل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، متمسكًا بخياراته القائمة على الاستقرار، وسيادة القانون، والدفاع عن وحدته الترابية، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، مع مواصلة مسيرة الإصلاح والتنمية. فالأوطان لا تبنى بالضجيج، وإنما بالحكمة، والعمل، والعدل، والإخلاص في خدمة الوطن والمواطن.
شارك المقال























Leave a Reply