لغويات – 4 –

رصد المغرب/محمد الهداج 

تحدثنا عن فريقين من أهل الدلالة في اللغة : من يرون أن للعبارات معنى حرفيا يُستفاد من المنطوق، إلا في حالات استثنائية يُمكن ردها إلى المنطوق بآليات معينة، وفريق يقول أن السياق جزء ماهية اللغة، ولا يمكن لمنطوقٍ أن يحمل دلالة كاملة دون معونة السياق. وداخل الفريقين أطياف كثيرة.

والفريق الأول مجمعون على إمكان التعبير عن الدلالة في أنساق صورية، والفريق الثاني فيه من يرى ذلك، ومنهم أحد كبار القوم عندهم في علم الدلالة والتداوليات وفلسفة اللغة أقصد الفيلسوف الألمعي روبرت ستالنَكر، وأغلبهم لا يرى إمكان ذلك وأشهر فلاسفة هذا الفريقة الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتين.

يبقى أن من المهم التفريق بين القول بالسياقية في دلالة العبارة من جهة وبين القول بوجود معنى محدد للكلمات. فقد تجد في السياقيين من يذهب إلى أن للكلمات معنى معجمي محدد وقد تجد منهم من لا يرى للكلمات معنى خارج الاستعمال.

ولعل أقوى المَنازع حجة من يرى أن للكلمات خُطاطةُ معنىً قد تتسع وقد تضيق، وأن السياق إما يقوم بتوسيع هذه الخطاطة أو بتضييقها. ومن أراد التوسع في هذا الضرب من النظر عليه البحث في أسفار ما يسمى بعلم الدلالة المعجمي.

وسأضرب أمثلة لبيان بعض ذلك. وقد تساق هذه الأمثلة كذلك لبيان سياقية اللغة ولِنَقْد المبدأ الذي يعتمده من يرى أن المعنى في العبارات “يُستخرج” من معاني ما يُكونها من كلمات The Compositionality of language.

“ذاك طائر أحمر”

“ناولني القلم الأحمر”

“أريد بطيخة حمراء”

“اشتريت مائدة حمراء”

ليكون الطائر أحمر يكفي أن يكون لون أغلب ريشه كذلك وليس منقاره أوأقدامه أو عينيه وبالتأكيد ليس باطنه. لكن القلم الأحمر قد لا يكون خارجه أحمرا بالمرة، أما البطيخة فوصفها بالحمرة يعني أن داخلها كذلك. والمائدة قد تكون أقدمها بيضاء وأسفلها أسودا وتوصف بالحمرة فقط لأن سطحها أحمر.

اللغوي الأمريكي رونالد لانَكر، مؤسس ما يسمى بالنحو المعرفي نحت مصطلحا طريفا في علم الدلالة المعجمي وهو المنطقة المفعلة Active zone.

وحاصل فكرته أنالمتكلم نادرا ما يعني بمفردة كل دلالتها، وأن كل خطاب إنما يقوم بتفعيل جهة في دلالة المفردة. تأمل العبارات التالية:

“غسل زيد سيارته”

“ملأ زيد سيارته بالوقود”

“صبغ زيد سيارته”

“أصلح زيد سيارته”

المنطقة “المُضاءة” في السيارة في المثال الأول هي داخلها وخارجها، مع إمكان استثناء المحرك، وفي العبارة الثانية تم تفعيل خزان الوقود فقط، ولاشك أن ما فُعِّل في العبارتين الأخريين قد لاح في ذهنك.

يذهب لاناكر إلى أن هذه الظاهرة منتشرة في اللغة، حتى أنه من الصعب تخيل عبارة يُحمل فيها المعنى على كل أجزاء المسمى أو الموضوع. وربما كانت العبارة “الأرض تدور حول الشمس” مثالا ناذرا لذلك، كما يقترح اللغوي جون تايلور في بحثه البديع: “Contextual salience, domains, and active zones”.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *