حين تحولت السياسة إلى سوق للثروة والنفوذ وسط الامتيازات

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


لم تعد الأزمة التي تخنق المجتمع أزمة تدبير أو سوء إدارة أو تعثر في تنزيل السياسات العمومية، بل أصبحت أزمة طبقة سياسية كاملة فقدت بوصلتها الأخلاقية والسياسية، وانشغلت بحروبها الخاصة من أجل البقاء في السلطة وتقاسم النفوذ والغنائم. حيث تحولت السياسة من رسالة لخدمة الصالح العام إلى مهنة مربحة، ومن فضاء للتنافس حول المشاريع والأفكار إلى سوق مفتوحة للمصالح والامتيازات.

وفي الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات الأساسية، تنمو ثروات بعض السياسيين والمسؤولين بوتيرة تثير الدهشة والريبة. قصور وعقارات بملايين ومليارات الدراهم، وصفقات مشبوهة، وحسابات متخمة بالأموال، وتحويلات مالية ضخمة، بينما يطلب من المواطن البسيط أن يتحمل تبعات الأزمات وأن يضحي باسم المصلحة الوطنية. حيث المفارقة الفاضحة تختزل جوهر الاختلال القائم، وهي أن فئة تزداد ثراء كلما اشتدت الأزمات، وأغلبية تتسع معاناتها كلما ارتفعت الشعارات.

وأما المعارضة التي يفترض أن تكون صمام الأمان الديمقراطي، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد ديكور سياسي يزين واجهة المشهد. خطابات باهتة، وانتقادات محسوبة، ومواقف لا تتجاوز سقف المسموح به، حتى أصبح البرلمان في نظر كثير من المواطنين مسرحا للكلام أكثر منه مؤسسة للمحاسبة والرقابة. أصوات ترتفع نهارا داخل القبة، ثم تختفي آثارها ليلا في دهاليز التوافقات والمصالح المتبادلة.

والأخطر من ذلك أن جزءا كبيرا من النخب السياسية لم يعد يمثل قوة اقتراح أو ضغط من أجل الإصلاح، بل تحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع نفسه. نخب تتحدث باسم الشعب لكنها تعيش بعيدا عن همومه، وتدعي الدفاع عن الحرية وهي عاجزة عن توسيع هامشها، وتقدم نفسها كخصم للسلطة بينما تتغذى من الامتيازات التي توفرها هذه السلطة.

لقد دخلت الحياة السياسية مرحلة يمكن وصفها بـ”الدونكيشوتية السياسية”، حيث تخوض النخب معارك استعراضية ضد خصوم وهميين، وتغرق في سجالات جانبية لا تمس جوهر الأزمة. معارك للاستهلاك الإعلامي، وخصومات موسمية، وصراعات حول المواقع لا حول المبادئ. والنتيجة أن المواطن يشاهد ضجيجا سياسيا هائلا دون أن يلمس أثرا حقيقيا على واقعه اليومي.

ولعل أكبر مأساة في المشهد أن الفوارق بين الأغلبية والمعارضة أصبحت شبه معدومة. الجميع يتحدث اللغة نفسها، ويتحرك داخل المنطق نفسه، ويدور في الفلك ذاته. اختلفت الأسماء واليافطات الحزبية، لكن الممارسة بقيت واحدة. حتى بات المواطن يشعر أن الطبقة السياسية كلها أصبحت جسدا واحدا بوجوه متعددة، لا يجمعها مشروع وطني بقدر ما تجمعها شبكة مصالح متشابكة.

إن ما يعيشه المجتمع اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو اجتماعية، بل أزمة ثقة تاريخية. فحين يرى المواطن أن السياسة أصبحت طريقا سريعا نحو الثراء، وأن المناصب العمومية تحولت إلى وسائل للنفوذ الشخصي، وأن المحاسبة غائبة أو انتقائية، فإن ثقته في المؤسسات تتآكل تدريجيا، ويحل محلها الشعور باليأس واللامبالاة.

لا يمكن لأي دولة أن تبني مستقبلا مستقرا بوجود طبقة سياسية منفصلة عن واقع الناس، ولا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح في ظل استمرار ثقافة الإفلات من المحاسبة وتضارب المصالح واستغلال النفوذ. فالأمم لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الأزمات الاقتصادية، بل تنهار حين يفقد المواطن إيمانه بعدالة المؤسسات ونزاهة من يديرونها.

لقد آن الأوان لطرح الأسئلة المؤجلة، وهي من أين جاءت هذه الثروات؟ ولماذا تتضخم أرصدة البعض كلما ازدادت معاناة الأغلبية؟ ومن يحاسب من؟ وأين هي الديمقراطية إذا كانت النخب المتنافسة تتشابه في السلوك والممارسة أكثر مما تختلف؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الشعارات ولا بإعادة تدوير الوجوه، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للمساءلة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما الاستمرار في إنتاج المشهد نفسه بالفاعلين أنفسهم والعقليات نفسها فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المجتمع والسياسة، وتحويل المؤسسات إلى هياكل فاقدة للثقة والمعنى.

وحين تصل السياسة إلى هذه المرحلة، فإن الخطر لا يكمن في غضب المواطنين فقط، بل في فقدانهم الإيمان بجدوى العمل السياسي نفسه. وذلك هو الثمن الأغلى الذي يمكن لأي دولة أن تدفعه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *