رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
في هذه اللحظات التي تتابع فيها العواصم العالمية عقارب الساعة بدقة، يبدو أن حدثا استثنائيا يتشكل خلف الأبواب المغلقة، فبينما تجري إعادة رسم ملامح منطقة الشرق الأوسط على نحو قد يغير موازين القوى لعقود قادمة. العالم بأسره يترقب، والأسواق المالية تراقب بحذر، والعواصم الكبرى تعيش حالة استنفار غير معلنة. لكن السؤال الأهم يبقى، هو ماذا يحدث فعلا؟
الرواية التي تحاول واشنطن تقديمها تختلف جذريا عن تلك التي تسارع طهران إلى تسريبها عبر وسائل إعلامها الرسمية. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصف ما يجري بأنه “صفقة رائعة”، في حين تتحدث وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، مثل مهر وإرنا، بلغة مختلفة تماما، معتبرة أن ما حدث يمثل انتصارا عسكريا لإيران واستسلاما سياسيا للولايات المتحدة.
وبين الروايتين تبرز تساؤلات عديدة، وهي هل نحن أمام إنجاز دبلوماسي جديد لترامب؟ أم أمام اتفاق صيغ وفق الشروط الإيرانية؟
بحسب التسريبات المتداولة، تتضمن مذكرة التفاهم أربعة عشر بندا توصف بأنها قادرة على قلب موازين المنطقة. ويبدأ البند الأول بإعلان وقف فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، وليس مجرد هدنة مؤقتة. وتشير المعلومات إلى أن هذا الوقف يشمل أيضا الجبهة اللبنانية التي كانت مرشحة للتصعيد نحو حرب إقليمية واسعة، قبل أن يتم احتواء الموقف عبر تفاهمات يجري العمل عليها في جنيف.
لكن الثمن المطلوب لتحقيق هذا الهدوء يبدو ضخما وفق الرواية الإيرانية. فالبند الحادي عشر ينص على الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة لا تتجاوز ستين يوما، مع اشتراط طهران الحصول على نصف هذا المبلغ قبل الدخول في المفاوضات النهائية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تتحدث التسريبات عن بند سابع يقضي بإطلاق خطة لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، بمشاركة أمريكية ودعم من حلفاء واشنطن. وتصور وسائل الإعلام الإيرانية هذا البند باعتباره تعويضا عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال سنوات المواجهة والعقوبات. غير أن كثيرين يتساءلون عما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلا لتحمل مثل هذا الالتزام المالي الضخم، أم أن الأمر يدخل ضمن إطار المبالغة الإعلامية الهادفة إلى تعزيز الموقف الداخلي الإيراني.
أما النقطة الأكثر حساسية فتتعلق بمضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي تعبر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وهنا يظهر التباين الأكبر بين الروايتين الأمريكية والإيرانية.
فالتقارير الأمريكية المسربة، ومنها ما تداولته وسائل إعلام غربية، تشير إلى أن الاتفاق يتضمن فتح المضيق أمام حركة الملاحة الدولية بشكل كامل ومن دون رسوم أو قيود. في المقابل، تؤكد الرواية الإيرانية أن إدارة المضيق ستكون مشتركة بين إيران وسلطنة عمان فقط، مع غياب أي دور أمريكي مباشر في هذه الإدارة.
وتعزز هذه الرواية بنود أخرى تتحدث عن رفع الحصار البحري المفروض على إيران وسحب القوات الأمريكية من محيطها، مع التزام واشنطن بعدم تعزيز وجودها العسكري في المنطقة مستقبلا. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها قد تعكس تحولا استراتيجيا كبيرا في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
وفي خضم هذا الجدل، تعود إلى الواجهة المقارنة مع عام 2018، حين انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في عهد الرئيس باراك أوباما، مبررا قراره بأن الاتفاق منح إيران موارد مالية ضخمة من دون معالجة سلوكها الإقليمي.
واليوم، إذا كانت التسريبات صحيحة، فإن الإدارة الأمريكية تجد نفسها أمام اتفاق يتضمن رفعا للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، ما يفتح الباب أمام انتقادات داخلية قد تتهم ترامب بالعودة إلى سياسات سبق أن رفضها بشدة.
لكن البند الأكثر إثارة للجدل يبقى البند الرابع عشر، الذي يفسر إلى حد بعيد حالة الصمت التي تلتزم بها إسرائيل وبعض القوى الإقليمية.
فوفقا للتسريبات الإيرانية، تم استبعاد ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية بالكامل من المفاوضات، كما تم استبعاد ملف دعم الفصائل والحركات الحليفة لطهران في المنطقة. وبدلا من ذلك، يقتصر الاتفاق على البرنامج النووي وقضايا إعادة الإعمار، مع منح الاتفاق النهائي غطاء قانونيا عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
ويعني ذلك، من وجهة النظر الإيرانية، أن القدرات الصاروخية الإيرانية ستبقى خارج دائرة التفاوض، كما ستظل ملفات النفوذ الإقليمي والدعم العسكري للفصائل المختلفة بعيدة عن أي التزامات جديدة.
هذا التطور يثير قلقا واضحا لدى إسرائيل التي كانت تراهن على أن أي تسوية شاملة ستشمل تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية والحد من نفوذها الإقليمي. أما الآن، فإنها تجد نفسها تراقب من الخارج مسار مفاوضات قد تمنح إيران شرعية دولية ومكاسب اقتصادية كبيرة دون المساس بأدوات قوتها الاستراتيجية.
ومع اقتراب نهاية الأسبوع في جنيف، تتجه الأنظار إلى احتمال عقد لقاء تاريخي بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في خطوة قد تمهد لتوقيع اتفاق يغير الكثير من معادلات المنطقة.
ويبقى السؤال المطروح، هو هل سيحظى هذا الاتفاق بموافقة نهائية من القيادة الإيرانية كما تشير بعض التسريبات الغربية؟ أم أن اللحظات الأخيرة ستشهد مفاجآت جديدة تعيد خلط الأوراق؟
الستون يوما المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الطرفين على تنفيذ التزاماتهما. فرفع العقوبات، والإفراج عن الأموال، وآليات الرقابة والمتابعة، كلها ملفات حساسة قد تواجه عراقيل عند أول أزمة ثقة بين الجانبين.
ومهما كانت النتيجة النهائية، فإن أمرا واحدا يبدو مؤكدا، هو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة قد تختلف جذريا عن تلك التي عرفها خلال العقد الماضي. وهي مرحلة تصاغ فيها التوازنات عبر التسويات السياسية الكبرى، وتتحرك فيها المليارات المجمدة لتصبح جزءا من معادلة الأمن والاستقرار، بينما تبقى الأسلحة التي صنعت المواجهة حاضرة في الخلفية كضامن أخير لأي اتفاق.
ولهذا ستظل أنظار العالم متجهة نحو جنيف، فيما تبقى العيون مركزة على مضيق هرمز وعلى كل معلومة تتسرب من غرف التفاوض، لأن ما يجري اليوم قد يكون بداية فصل جديد في تاريخ المنطقة والعالم.
شارك المقال






















Leave a Reply