لغويات – 5 –

رصد المغرب/محمد الهداج


فيتجنشتين هو صاحب فلسفتين في اللغة مختلفتين، الأولى يمثلها كتابه “رسالة منطقية فلسفية” والعنوان ليس من وضعه، وهو الكتاب الوحيد الذي نُشر قيد حياته، والفلسفة الثانية تمثلها كتب عدة أشهرها وأهمها كتاب: “البحوث الفلسفية”، ولذلك ستجد لغويين وفلاسفة من تيارات متناقضة يضعان الرجل في لائحة من أثر في فكرهم، ولعل نعوم شومسكي وصاحبنا جون سيرل أوضح مثالين على هذا الأمر.

يقول فيتجنشتين في بحوثه: “لقد قارنت دائما اللغة بصندوق من الأدوات يحتوي على مطرقة ومقص وأعواد ثقاب و صمغ… ليس صدفة أن يتم جمع هذه الأشياء في مكان واحد – ولكن توجد اختلافات مهمة بين مختلف هذه الأدوات، واستعمالاتها بينها جو عائلي ما- مع أنه لا شيء يبدو أكثر اختلافا من مقص وصمغ.”.

في هذا النص يمكن تَلَمُّس ارتياب الفيلسوف النمساوي من أي نظرية تحاول أن تُخضع الدلالة في اللغة لقواعد عامة تحكم كل استعمالاتها. فكل كلمة أو فعل يقوم بعمل في اللغة قد لا يجمعه بغيره إلا كونهما معا يقبعان معا داخل هذا الصندوق العجيب من الأدوات المسمى لغة.

بل إن موقف الفيلسوف النمساوي يمضي خطوة أبعد فيزعم أن الكلمة الواحد لا تحيل بالضرورة على ماهية مشتركة واحدة بين كل ما تستعمل من أجله، وضرب لذلك مثله الشهير: فكر في معنى كلمة “لعبة”: ما الذي يوحِّد بين كرة القدم مثلا وكرة السلة؟! هل هو الربح والخسارة، هل يوجد ربح أو خسارة في لعب طفلة بدميتها أو في لعب طفل بكرة لوحده، الجواب طبعا: لا ولكن هذا لا يمنع من أن الجميع يفهم ما معنى “لعبة” عند التلفظ بها. إن ما يوحد جميع اللعب كما يشرح فيتجنشتين هو “تشابهات العائلة”: فأنت قد تجد في عائلة واحدة إخوة يتشابهون ولكن لا تجد بالضرورة شيئا يوحدهم جميعا: ف(أ) و(ب) يتشابهان في لون العين و(ب) و(ج) في لون الشعر و(ج) و(د) في بنية الجسد وهكذا، ولكن قد لا يوجد شيء واحد مشترك بين جميعهم، وكذلك مفاهيمنا وطرائق تدليل لغتنا بينها تشابهات عائلية.

وقد ألهمت فكرة تشابهات العائلة هذه، ومثال اللعبة فلاسفة كثر، ولعل أشهرهم توماس كوهن الذي استوحى منه فكرة “البارادايم” paradigm ، وإلينور روش في مفهومها المُفسِّر للمقولا في اللغة بتوسِّل مفهوم : The prototype.

من فكرة تشابهات العائلة ومثالنا العجيب: مفردة لعبة سيخرج علينا فيتجنشتين بمفهوم سيملأ دنيا المعارف الغربية في الفلسفة وفلسفة العلم وعلم الاجتماع، وهو مفهوم “ألعاب اللغة”، ما نقوم به عند استعمال اللغة إنما هو كالألعاب، لا يجمع بينها غير شابهات عائلية، ومجموعها لا يُعطينا مفهوما جامعا مانعا للغة وإنما “شكلَ حياة”، و مجموعها هنا مقصود به مجموع ألعاب اللغة في مجتمع ما، ولكل مجتمع أو شكل حياة أو ربما جماعة حرفية مجموعة من ألعاب اللغة مخصوصة. والمفردات لا دلالة لها خارج استعمالاتها في شكل الحياة الذي تحدده ألعاب لغته.

يقول شارحا كل ذلك في الفقرة 23 من “بحوثه الفلسفية” :

“الكلمة “ألعاب اللغة” هنا تهدف إلى التأكيد على أن تكلم لغة ما هو جزء من فاعلية (activity) أو من شكل حياة. تأمل في تنوع ألعاب اللغة في الأمثلة التالية وفي أخرى:

– إعطاء أمر أو طاعته

– وصف مظهر شيء ما أو قياسه

– إنشاء شيء من وصفه

– إلقاء التحية … “

وسيجد المهتم توظيفا لمفهوم ألعاب اللغة في أعمال الهالك الألماني يورغن هابرماس، وخاصة في كتابه “الحقيقة والتبرير”، كما سيجد توظيفا لمفهوم شكل الحياة في الكتاب الطريف والذي أسال الكثير من المداد في فلسفة العلم: “Leviathan and the Air-Pump Hobbes, Boyle, and the Experimental Life.” لصاحبيه ستيفن شابان وسايمون شافر.

وسيعرف مفهوم ألعاب اللغة شكل حياة جديد في نظرية، كانت إلى وقت قريب، الأشهر في التداوليات، وهي أفعال الكلام عند جون أوستين وتلميذه جون سيرل، وفي الوقت الذي يقول فيتجنشتين أن ألعاب اللغة لا حصر لها، سيحاول الأخيران حصرها وتصنيفها في نظرية يريدانها جامعة

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *