رصد المغرب / ذ. الحسين فخر الدين (عضو اليسار الجديد المتجدد)
مع كل استحقاق رياضي كبير، يتكرر المشهد نفسه على منصات التواصل الاجتماعي: حملات منظمة أو عفوية من السخرية والتشفي والتحريض المتبادل بين بعض الحسابات المغربية والجزائرية، وكأن نتيجة مباراة لكرة القدم أصبحت معياراً للتفوق الحضاري أو السياسي، أو دليلاً على انتصار شعب على آخر.
خلال منافسات كأس العالم الجارية، برزت مجدداً أصوات لا ترى في الرياضة مناسبة للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب، بل فرصة لتغذية مشاعر العداء وتأجيج التوتر بين الشعبين المغربي والجزائري. فبدل الاحتفاء بإنجازات المنتخبات الوطنية وتشجيع الروح الرياضية، ينشغل البعض بتحويل كل تعثر أو نجاح إلى مادة للسخرية والاستفزاز وبث الأحقاد.
غير أن الحقيقة التي يحاول الكثيرون تجاهلها هي أن الشعوب لا تتقدم بانتصارات الملاعب ولا تتراجع بسبب الهزائم الرياضية. فالتاريخ لا يخلد نتائج المباريات بقدر ما يخلد منجزات الأمم في مجالات العلم والاقتصاد والثقافة والديمقراطية والتنمية البشرية. أما كرة القدم، على أهميتها الرمزية والشعبية، فتبقى مجرد نشاط رياضي يمنح لحظات من الفرح أو الحزن، لكنه لا يغير في جوهر التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمعات.
ومن المؤسف أن تتحول بعض فضاءات التواصل الاجتماعي إلى أدوات لإعادة إنتاج الصراعات الوهمية وصناعة عدو دائم على الجانب الآخر من الحدود. فالمغاربة والجزائريون تجمعهم روابط أعمق وأقوى من أن تهزها نتيجة مباراة أو منشور استفزازي على الفايسبوك. إنهما شعبان تجمعهما الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة والمصالح المشتركة، مهما كانت طبيعة الخلافات السياسية القائمة بين الدولتين.
إن أخطر ما في هذه الحملات أنها تصرف انتباه الرأي العام عن القضايا الحقيقية التي تستحق النقاش والمتابعة. فبينما تواجه المنطقة تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية معقدة، ينشغل البعض بمعارك افتراضية لا تنتج سوى مزيد من الاحتقان والتوتر.
لذلك فإن المطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على التمييز بين التنافس الرياضي والخلافات السياسية، وبين النقد المشروع وخطاب الكراهية. كما أن النخب الفكرية والإعلامية مطالبة بالتصدي لكل المحاولات الرامية إلى تسميم العلاقات بين الشعبين، لأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى على الأحقاد المتبادلة، بل على الحوار والتعاون والاحترام المتبادل.
إن أكبر انتصار يمكن أن نحققه ليس فوز منتخب على آخر، وإنما انتصار قيم العقل والتسامح والأخوة المغاربية على أصوات التعصب والتحريض، أياً كان مصدرها.
شارك المقال























Leave a Reply