لغويات – 6 –

رصد المغرب/محمد الهداج 

‏رأينا ألا أحد لديه فكرة واضحة عن الكيفية التي تدل بها الكلمات، ولا عن تلك التي تدل بها الجمل، ولم يختلف اللغويون فقط حول وجود معان ثابت للكلمات بل اختلفوا حتى حول مكان وجودِ هذه المعاني. فمن قائل أنها موجودة في الذهن وهذا اختيار المعرفيين Cognitivists وأشهر هم شومسكي، ومن قائل أنها لا يمكن أن توجد في الرؤوس، وأشهر هؤلاء صول كريبكي وهيلاري بوتنام. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتعلم الطفل اللغة؟ ألسنا نعلمه المفردات في الواقع الخارجي بالإشارة إلى مقابلاتها؟ نُعلم الطفل كلمة ملعقة بالإشارة إلى ملعقة وكلمة كرة بالإشارة إلى كرة، ويلتقط الباقي بملاحظة أحاديث من حوله.

‏رأيت قبل سنوات تجربة طريفة لباحث في الذهن طلب من أحد الحضور من أصول صينية أن يقول كلمة بالصينية ثم طلب من الحاضرين أن يقدروا عدد الكلمات فيما نطق به، وطبعا لا أحد استطاع إلى ذلك سبيلا، فكيف إذن يستطيع الطفل أن يُميز الكلمات من سلسلة أصوات متصلة، أضف إلى ذلك أن الطفل ليس كالحاضرين، فهؤلاء يعرفون أن اللغة تتركب من كلمات لها نحوها الخاص فلا ينبغي لوصف أن يحتل موقع حرف ولا لفعل أن يحتل موقع اسم. لكن المفروض في الطفل ألا يعرف شيئا، لا عن الكلمات ولا عن الجمل ولا عن نحو هما، بل ولا فكرة لديه عن تسمية الأشياء أو حتى عن هذه الأحوال العجيبة التي يستعمل فيها الناس اللغة كالإخبار والاستفهام والامر والتعجب والتلميح والتجوّز وغيرهما. ومع كل ذلك يستطيع طفل عمره عامين أن يفهم الكلمات، ويطلق الأسماء على الأشياء ويُركِّب الجمل بل يستطيع أن يفهم الاستعارات وأن يبدعها كذلك.

من عادة اللغويين خاصة في حقل الدلالة أن يزعموا بلغة القطع أن صاحبنا فيتجنشتين قد دحض، وإلى الأبد، الاعتقاد في أن الطفل يتعلم اللغة بالإشارة ostensive definition.

يبدأ فيتجنشتين “بحوثه الفلسفية” باقتباس من أوغسطين في “الاعترافات”:

” عندما يسمِّي من يكبرونني سنا أمرا ما ثم يتحركون وفق ذلك نحو شيء ما. أرى هذا ثم أُدرك بأن ذلك الشيء كان يُدعى بالصوت الذي تلفظوا به عندما قصدوا الإشارة إليه. قصودهم كانت ظاهرة بحركات أبدانهم، كما يُفترض في اللغات الطبيعية لسائر الناس: تعابير الوجوه، غمزات الأعين، حركات أجزاء الجسم الأخرى، ونبرة الصوت التي تُعبر عن حالتنا الذهنية حالَ بحثنا أو حصولنا على شيء ما أو رفضنا أو تجنبنا له. هكذا، عندما أسمع كلماتٍ المرةَ تلو الأخرى، مستعمَلة في مقاماتها المناسبة في جمل مختلفة، أتعلم تدريجيا أن أفهم أية أشياء يعنونها، وعندما أُدرب فمي على تكوين تلك العلامات، أستعملها للتعبير عن رغباتي الشخصية”.

عندما تحاول تعليم ابنك اسم الكرة مثلا تشير إلى كرة أمامكما. لكن كيف يستطيع الطفل فهم حركة اليد قبل تمييز المشار إليه في حقل النظر؟ في مرحلة أولى ينظر الطفل للأصبع بدل ما يشير إليه و في مرحلة متقدمة من عمره ينظر للشيء المشار إليه، لكن كيف سيميز بين الكرة وحقل المشار إليه بالأصبع: هل المقصود بالإشارة هو اللون أو الشكل أو مادة الصنع أم غير ذلك…إن على الطفل أن يُدرك معنى الإشارة باليد قبل تعلم ما نستعمله لأجلها، وبعد أن يعرف معنى الإشارة عليه أن يُدرك مناشط الحياة المتعلقة بها، وما تُستعمل لأجله الكرة حتى يستطيع تمييزها في حقل رؤية المُشار إليه. سيكون الأمر أكثر تعقيدا عند الإشارة للون ما لتعليم الطفل معناه، فما الأحمر والأخضر والأصفر بغير مفهوم اللون الذي لا شيء في واقع الناس يجسده، بكلمة واحدة إن تَعَلُّم اللغة بالإشارة يفترض معرفتها ابتداءً. كي تتعلم اسم شيء ما عليك أن تعرف أولا ماهية هذا المنشط المسمى “تسمية” والغرض منه، ولكي تعرف لون شيء ما عليك أن تُدرك مفهوم اللون وهكذا…إن تعلم لغة ما يعني تعلم “شكل الحياة” الذي نفخ فيه الروح، أن تقول لصاحبك أن بيدقا في الشطرنج إسمه الفرس لا يعني أنه تعلم لعبة الشطرنج، إن عليه أن يعرف قواعد تحريكه وتحريك باقي القطع على رقعة الشطرنج، وعندما تقول لصاحبك “red ” تعني “أحمر” في العربية، فأنت تفترض معرفته بلغة بأكملها، وهي هنا العربية، ولعل من يعتقد في التصور المبسوط في نص أوغسطين يعتقدُ في الطفل امتلاكَ لغة سابقة غير تلك التي يُريد تعليمها له ويعتقد فيه القدرة على التعرف على الأشياء وتمييزها بتوسط تلك اللغة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *