رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
حسب مصادر مطلعة، فإن باريس تستعد لاستقبال العاهل المغربي الملك محمد السادس في زيارة رسمية توصف بأنها من أهم الزيارات الثنائية بين البلدين خلال العقود الأخيرة، ليس فقط لما تحمله من رمزية سياسية ودبلوماسية، بل لما يتوقع أن تسفر عنه من اتفاقات ومعاهدات قد تعيد رسم طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية وتفتح مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي طويل الأمد. حيث تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي دفعت القوى الاقتصادية الكبرى إلى إعادة النظر في سلاسل التوريد والإنتاج والبحث عن شركاء موثوقين يتمتعون بالاستقرار والقرب الجغرافي والقدرة التنافسية.
وتشير التوقعات إلى أن الزيارة قد تشهد توقيع معاهدة ثنائية شاملة وغير مسبوقة بين البلدين، وهي خطوة تعكس تحولا عميقا في نظرة فرنسا إلى المغرب باعتباره شريكا إقليميا استراتيجيا يتمتع بالاستقلالية والقدرة على لعب أدوار محورية في الفضاءين المتوسطي والأفريقي. حيث باريس لم تعد تنظر إلى الرباط باعتبارها مجرد سوق لتصريف المنتجات أو وجهة للاستثمارات التقليدية، بل أصبحت ترى فيها منصة اقتصادية وصناعية ولوجستية قادرة على الربط بين أوروبا وأفريقيا والمساهمة في بناء منظومات إنتاج متكاملة تخدم مصالح الطرفين.
وتأتي هذه الديناميكية الجديدة بعد سنوات من التحولات الاقتصادية التي جعلت المغرب واحدا من أبرز مراكز التصنيع في المنطقة. فمنذ جائحة كورونا ثم اندلاع الحرب في أوكرانيا، اكتشفت الدول الأوروبية هشاشة اعتمادها المفرط على سلاسل التوريد الآسيوية، حيث واجهت الشركات تأخيرات كبيرة في الشحن وارتفاعا في التكاليف واضطرابات مستمرة في الإمدادات. وأمام هذه التحديات، برز مفهوم “النير شورينغ” أو تقريب مواقع الإنتاج من الأسواق الأوروبية، ليصبح المغرب أحد أكبر المستفيدين من هذا التوجه بفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي واستقراره السياسي وبنيته التحتية الحديثة.
وخلال السنوات الأخيرة، نجح المغرب في استقطاب عشرات الشركات الأوروبية والعالمية التي اختارت نقل جزء من عملياتها الصناعية إلى مدن مثل الدار البيضاء وطنجة والنواصر والقنيطرة. حيث ساهمت المناطق الصناعية المتطورة والموانئ الحديثة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، في جعل المملكة نقطة ربط رئيسية بين القارات الثلاث، كل من أوروبا وأفريقيا وآسيا. وأصبحت المنتجات المصنعة في المغرب تصل إلى الأسواق الأوروبية خلال أيام قليلة فقط، مقارنة بأسابيع طويلة كانت تستغرقها الشحنات القادمة من شرق آسيا.
ولم يعد الدور الصناعي المغربي يقتصر على الصناعات التقليدية، بل توسع ليشمل قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة مثل صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والكابلات الدقيقة والمكونات الصناعية المتقدمة. حيث أصبح المغرب اليوم من بين أكبر منتجي السيارات في إفريقيا، كما يحتضن منظومة صناعية متكاملة لصناعة أجزاء الطائرات التي يتم تصديرها إلى كبريات الشركات العالمية. وهذا التطور جعل المملكة عنصرا أساسيا في سلاسل التوريد الأوروبية، وأحد النماذج الناجحة في جذب الاستثمارات الصناعية الأجنبية.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحول الاقتصادي، إذ ارتفعت الصادرات الصناعية المغربية بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، بينما تواصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة التدفق نحو القطاعات الإنتاجية. كما يشهد التعاون الاقتصادي مع فرنسا زخما متزايدا، حيث يبلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين مليارات اليوروهات سنويا، في وقت تنشط فيه أكثر من ألف شركة فرنسية داخل المغرب في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية والصناعية.
غير أن الرؤية المغربية لا تقتصر على جذب رؤوس الأموال الأجنبية فقط، بل تتجاوز ذلك نحو بناء قاعدة صناعية وطنية متقدمة تعتمد على نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية. حيث المملكة تسعى إلى تعزيز التصنيع المشترك وإنشاء مراكز للبحث والتطوير وتكوين المهندسين والتقنيين، بما يضمن رفع القيمة المضافة المحلية وتقوية القدرة التنافسية للصناعة المغربية على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق، تبرز عدة قطاعات مرشحة للاستفادة بشكل كبير من أي معاهدة استراتيجية جديدة بين الرباط وباريس، من بينها صناعة الطيران والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والسيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والموانئ. حيث تعتبر هذه المجالات من القطاعات الحيوية التي ستلعب دورا مركزيا في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، ما يمنح المغرب فرصة لتعزيز مكانته كفاعل صناعي وتكنولوجي إقليمي.
كما أن الرهان الفرنسي على المغرب لا يرتبط بالسوق المحلية وحدها، بل يتجاوزها إلى البعد الأفريقي. لأن المملكة راكمت خلال السنوات الماضية حضورا اقتصاديا وماليا متزايدا داخل القارة الأفريقية، وأصبحت العديد من الشركات الدولية تنظر إليها باعتبارها بوابة طبيعية للوصول إلى الأسواق الإفريقية الواعدة. ومن هذا المنطلق، ترى باريس أن تعزيز شراكتها مع الرباط يمنحها فرصة أكبر للانخراط في الديناميات الاقتصادية الجديدة التي تشهدها القارة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات المغربية الفرنسية تتجه نحو مرحلة مختلفة عنوانها الشراكة الاستراتيجية المتكافئة والمصالح المشتركة طويلة الأمد. لأن المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي لأوروبا، بل أصبح أحد أهم المراكز الصناعية واللوجستية الصاعدة على ضفاف المتوسط، بينما تسعى فرنسا وأوروبا عموما إلى بناء منظومات إنتاج أكثر قربا وأمنا ومرونة. وبين طموحات الرباط الصناعية وحاجة أوروبا إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، تتشكل معالم مرحلة جديدة قد تجعل عبارة “صنع في المغرب” أكثر حضورا في المنتجات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية خلال السنوات القادمة.
شارك المقال























Leave a Reply