رصد المغرب / إسحاق عبد الرحمن (صحفي ومتخصص في الشأن الإفريقي)
وفي مداخلة له على قناة TTV إلى أن الأمر لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية والهجمات الميدانية المتقطعة، بل أصبح يشهد انتقالا واضحا نحو مستويات جديدة من الحرب الاستخباراتية والحرب النفسية، موضحا أن هذا التطور يعكس درجة من الثقة والتمدد التنظيمي الذي باتت تتمتع به الجماعة خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها إحدى أبرز المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل.
وأوضح أن الجماعة تحولت إلى الفاعل الأكثر نشاطا وتأثيرا في الإقليم، مع توسع نطاق عملياتها من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو، وصولا إلى حدود توغو، مع تقارير تتحدث أيضا عن امتدادات محتملة لنشاطها نحو دول خليج غينيا.
ودعا إلى التعامل مع هذه المعطيات باعتبارها مؤشرا على تحول استراتيجي لا يمكن اختزاله في طابع دعائي أو ظرفي، بل يعكس قدرة على الاستمرار وبناء شبكات تمويل وتنسيق معقدة تمنحها هامشا واسعا للمناورة وخوض صراع طويل الأمد.
ثلاثة أهداف وراء سياسة المكافآت:
وأكد أن الحكومة المالية تسعى من خلال سياسة المكافآت إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية؛ يتمثل أولها في جمع معلومات استخباراتية دقيقة حول القيادات العليا للجماعة وعلى رأسها إياد أغ غالي، مشيرا إلى أن تجارب سابقة في النزاعات المشابهة أظهرت أن استهداف القيادات المؤثرة قد يؤدي إلى إرباك العمليات بشكل مؤقت حتى إن لم يكن حاسما.
وأوضح أن الهدف الثاني يرتبط بإحداث حالة من الشك داخل البنية التنظيمية للجماعة، حيث تعمل الإعلانات عن مكافآت مالية ضخمة على خلق مناخ من الريبة والخوف من الاختراق أو الخيانة الداخلية، وهو ما قد يؤثر على تماسك التنظيم، أما الهدف الثالث فذو طبيعة سياسية بالأساس، ويتمثل في توجيه رسالة داخلية وخارجية مفادها أن الدولة قادرة على المبادرة والاستمرار في إدارة المواجهة رغم تصاعد الهجمات، معتبرا أن هذا البعد السياسي قد يكون الأكثر أهمية في سياق تثبيت صورة الدولة أمام الداخل والخارج.
رد الجماعات المسلحة:
وتابع أن رد الجماعات المسلحة على هذه السياسات يعكس بدوره محاولة لإيصال رسالة مضادة مفادها أنها ليست في موقع الدفاع فقط، بل تمتلك القدرة على الرد وفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، وأضاف أن إعلان الجماعة عن مكافآت مالية مقابل معلومات عن شخصيات عسكرية وسياسية داخل الدولة المالية، بما في ذلك عروض بملايين الدولارات، يعكس رغبة في القول إن الدولة ليست وحدها من يستخدم أدوات الحرب الاستخباراتية والمالية.
وشدد على أن هذا النمط من التفاعل يتزامن مع تصاعد عمليات ميدانية معقدة شهدتها مناطق متعددة، حيث اعتمدت بعض الهجمات على معلومات استخباراتية دقيقة، وهو ما يشير إلى تطور في أدوات العمل الميداني لدى هذه الجماعات.
ودعا إلى النظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءا من سعي الجماعة إلى تقديم نفسها كفاعل سياسي وعسكري موازٍ للدولة وليس مجرد تنظيم مسلح تقليدي.
محدودية فعالية سياسة المكافآت:
وأشار إلى أن فعالية سياسات المكافآت في النزاعات غير التقليدية تبقى محدودة من حيث النتائج الاستراتيجية، رغم أنها قد تحقق إنجازات تكتيكية واستخباراتية في بعض الحالات، وأوضح أن نجاح هذه السياسات يتطلب وجود أجهزة استخبارات قوية وفعالة، إضافة إلى مستوى عال من الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، فضلا عن دعم دولي منسق وبرامج شاملة لا تقتصر على البعد الأمني فقط.
وأكد أن بعض التجارب في منطقة الساحل أظهرت أهمية المقاربة المتكاملة، بما في ذلك التجربة الموريتانية التي اعتمدت على مزيج من العمل العسكري والاستخباراتي والتنمية المحلية، في محاولة لمعالجة جذور الأزمة وليس فقط مظاهرها الأمنية.
وأضاف أن التحديات الجغرافية الصعبة وضعف حضور الدولة في بعض المناطق داخل مالي يحدان من قدرة أي استراتيجية أحادية على تحقيق نتائج حاسمة أو دائمة.
صعوبة الحسم العسكري.
وأوضح أن استمرار المواجهات لأكثر من عقد من الزمن في مالي، بمشاركة قوات وطنية ودولية وإقليمية في مراحل مختلفة، ثم تحولات الوجود العسكري لاحقا، بما في ذلك دخول أطراف دولية جديدة، يعكس صعوبة الحسم العسكري لأي من الطرفين.
وأشار إلى أن الجماعات المسلحة رغم قدرتها على تنفيذ هجمات كبيرة ومتكررة، لا تزال غير قادرة على إسقاط الدولة أو السيطرة الكاملة على السلطة، لكنها في المقابل تظل قادرة على الاستمرار في استنزاف الدولة وتنفيذ عمليات نوعية، ودعا إلى فهم هذا الواقع باعتباره حالة من الصراع الممتد الذي يبحث فيه كل طرف عن مكاسب غير تقليدية خارج ميدان المعارك الكلاسيكية.
مرحلة أكثر تعقيدا:
وأكد أن ما يمكن تسميته بـ”حرب المكافآت” لا يبدو مجرد مرحلة عابرة، بل مؤشرا على دخول الصراع في الساحل مرحلة أكثر تعقيدا، حيث لم تعد الجماعات المسلحة تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل باتت توظف أدوات مالية وإعلامية واستخباراتية متقدمة.
وأضاف أن تنوع مصادر تمويل هذه الجماعات، من شبكات التهريب والابتزاز والضرائب غير الشرعية والفديات الناتجة عن عمليات الاختطاف، يمنحها قدرة على الاستمرار والتكيف، مشيرا إلى تقديرات تتحدث عن حصولها خلال السنوات الماضية على عشرات الملايين من الدولارات، وهو ما يعزز من هامش حركتها ويزيد من تعقيد مشهد المواجهة في المنطقة.
شارك المقال























Leave a Reply