رصد المغرب / عبد العالي بريك /
دخل ملف المكننة في قطاع الزليج البلدي التقليدي بمدينة فاس مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما نظم الصناع التقليديون، يوم أمس السبت، لقاء تواصليا بدار الشباب بحي عين النقبي،خصص لتقييم تطورات الملف ومناقشة ما اعتبروه استمرار تجاهل مطالبهم، رغم الوعود التي سبق أن قدمت لهم من طرف مسؤولي القطاع.
وشهد اللقاء حضور معلمين وحرفيين ومقاولين وأصحاب شركات متخصصة في تصدير الزليج البلدي التقليدي، حيث أجمع المتدخلون على أن الحرفة تعيش، بحسب تعبيرهم، واحدة من أخطر مراحلها، في ظل اتساع رقعة المكننة وما ترتب عنها من تراجع الطلب على العمل اليدوي الذي اشتهرت به العاصمة العلمية للمملكة عبر قرون.
وأكد محمد ذهبية، الكاتب المحلي للاتحاد الوطني المغربي للشغل، خلال مداخلته، أن المرحلة المقبلة ستعرف أشكالا احتجاجية أكثر تصعيدا، مشيرا إلى أن الإعلان عن مسيرات احتجاجية ستجوب شوارع مدينة فاس بات وشيكا، مضيفا أن جميع الأشكال النضالية المشروعة تظل مطروحة إلى حين الاستجابة لمطالب المهنيين.
وأوضح أن المكننة، وفق تقدير المحتجين، أصبحت تشكل تهديدا مباشرا لأكثر من 3500 حرفي، فضلا عن الأسر التي تعتمد على هذه الحرفة كمصدر رئيسي للعيش، معتبرا أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اندثار مهنة ارتبطت بتاريخ المغرب وهويته الحضارية، وأسهمت في إشعاع الصناعة التقليدية المغربية داخل المملكة وخارجها.
وعبر عدد من المتدخلين عن استغرابهم مما وصفوه بعدم تفعيل الوعود التي سبق أن صدرت عن المسؤولين، ومن بينهم وزير الصناعة التقليدية ورئيس غرفة الصناعة التقليدية، مؤكدين أن الحرفيين كانوا ينتظرون إجراءات عملية لحماية القطاع، بدل الاكتفاء بالتصريحات.
ولم يخل اللقاء من رسائل قوية حملت الكثير من الألم والقلق، إذ تساءل أحد المتدخلين بحرقة: “هل سنهاجر نحن أيضا إلى الضفة الأخرى ونغامر بحياتنا بحثا عن الكرامة، أم نبقى في وطننا لنواجه البطالة والتهميش دون أي اعتبار؟” وهو تساؤل لقي تفاعلا واسعا بين الحاضرين، وعكس حجم الإحباط الذي يعيشه العديد من العاملين في هذا القطاع.
وأكد المشاركون أن الزليج البلدي ليس مجرد منتوج للتسويق، بل هو جزء من الهوية المغربية، ويشكل عنصرا أساسيا في زخرفة الرياضات والقصور والدور العتيقة بالمدن التاريخية، وفي مقدمتها مدينة فاس، حيث أبدع المعلم المغربي عبر مئات السنين في إنجاز لوحات فنية يدوية أصبحت رمزا للأصالة والإتقان.
وأشار المتدخلون إلى أن الحفاظ على هذا الموروث الثقافي ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى صون التراث الوطني وتثمين الصناعة التقليدية باعتبارها رافعة ثقافية واقتصادية، معتبرين أن حماية الحرفي التقليدي لا تقل أهمية عن حماية المنتوج نفسه.
وفي ختام اللقاء، جدد الصناع التقليديون تشبثهم بمواصلة النضال والدفاع عن مطالبهم بالوسائل القانونية والسلمية، مؤكدين أن تحركاتهم ستتواصل إلى حين فتح حوار جاد ومسؤول يفضي إلى حلول عملية تضمن التوازن بين التطور التقني والحفاظ على الحرف التقليدية، وصون كرامة آلاف الأسر التي ارتبطت حياتها بهذه المهنة جيلا بعد جيل.
ويبقى هذا الملف مفتوحا على جميع الاحتمالات، في انتظار ما إذا كانت الجهات المعنية ستستجيب لنداءات المهنيين، أم أن لغة الاحتجاج ستتسع خلال الأسابيع المقبلة، في قضية لا تتعلق فقط بمهنة تقليدية، بل بموروث حضاري يشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.
شارك المقال























Leave a Reply