رصد المغرب/ عبدالكبير بلفساحي
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز سؤال جوهري يشغل دوائر السياسة والاستراتيجية، وهو هل ما نشهده اليوم يمثل نهاية مرحلة تاريخية طويلة، أم أنه بداية حقبة جديدة ستعيد تشكيل النظامين الإقليمي والدولي لعقود قادمة؟
ويرى عدد من المراقبين أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، ولا سيما الحديث المتزايد عن تفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تعكس نهاية الصراعات القائمة بقدر ما تشير إلى انطلاق مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى. حيث التاريخ السياسي يؤكد أن الاتفاقات الكبرى لا تنهي التنافس بين الدول، بل تعيد صياغته ضمن أطر وأدوات مختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة معقدة تتداخل فيها ملفات إيران ولبنان وسوريا والعراق مع المصالح الأمريكية والدولية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت نفوذه وحماية مصالحه الاستراتيجية في بيئة تتسم بتسارع المتغيرات وتزايد التحديات.
ويعتقد أصحاب هذه الرؤية أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران قد يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الأزمات المزمنة التي تعاني منها العديد من الدول. حيث لبنان يواجه أزمة سياسية واقتصادية عميقة، وسوريا ما زالت تعاني تداعيات سنوات طويلة من الحرب، بينما تسعى إيران إلى تعزيز موقعها الإقليمي رغم استمرار الضغوط والعقوبات الدولية.
ومع ذلك، يبقى الحديث عن انهيارات شاملة أو زوال قوى إقليمية أمرا محل جدل واسع بين الخبراء. لأن التاريخ أثبت مرارا أن الدول والمجتمعات تمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة بناء موازينها الداخلية والخارجية، حتى في أشد الظروف تعقيدا. ولهذا فإن ما يبدو للبعض نهاية مرحلة، قد يراه آخرون بداية لواقع سياسي مختلف تماما.
وفي الوقت نفسه، تشهد الساحة الإسرائيلية ضغوطا متزايدة على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ظل تزامن تحديات سياسية مرتبطة بالملف الإيراني مع تطورات أمنية وعسكرية على الجبهة اللبنانية. حيث أثارت الأنباء المتعلقة بإمكانية إحراز تقدم في المفاوضات الأمريكية الإيرانية قلقا داخل الأوساط الإسرائيلية، التي تعتبر البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية لطهران من أبرز التهديدات لأمنها القومي.
ويرى منتقدو الحكومة الإسرائيلية أن أي اتفاق لا يفرض قيودا صارمة على الأنشطة النووية الإيرانية أو على برامجها العسكرية قد يمثل تراجعا عن الاستراتيجية التي دافعت عنها إسرائيل خلال السنوات الماضية. بينما في المقابل، تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحديات ميدانية متزايدة على حدودها الشمالية، الأمر الذي يثير نقاشا داخليا حول فعالية السياسات الأمنية والعسكرية الحالية.
ويرى محللون أن الأزمة التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية تتجاوز الخسائر العسكرية أو الخلافات السياسية التقليدية، إذ تعكس تحولات أعمق في موازين القوى الإقليمية، وتغيرا في أولويات القوى الدولية الفاعلة وفقا لمصالحها الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، يذهب بعض المراقبين إلى أن التحدي الأكبر أمام الإدارة الأمريكية لا يتعلق فقط بإدارة المواجهة مع إيران، بل بما قد يترتب على أي اتفاق نووي جديد من نتائج استراتيجية بعيدة المدى. لأن وفق هذا التصور، قد يؤدي رفع العقوبات وتخفيف القيود الاقتصادية إلى منح إيران فرصا واسعة لتعزيز اقتصادها وزيادة حضورها الإقليمي.
ويستند هذا الرأي إلى احتمال استئناف الصادرات النفطية الإيرانية بشكل كامل، وعودة الاستثمارات الأجنبية إلى السوق الإيرانية بعد سنوات من القيود والعقوبات. كما يرى أصحاب هذا الطرح أن تدفق رؤوس الأموال قد يمنح طهران إمكانات إضافية لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في عدد من الساحات الإقليمية.
في مقابل ذلك، يؤكد مؤيدو التفاهمات الدبلوماسية أن أي اتفاق قد يساهم في خفض مستوى التوترات الإقليمية، وتقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا على المدى الطويل.
وتتجاوز هذه النقاشات حدود الملف النووي لتلامس طبيعة النظام الإقليمي القادم. فهناك من يرى أن العالم بأسره يمر بمرحلة انتقالية تتراجع خلالها تحالفات تقليدية وتبرز مراكز قوة جديدة، وهو الأمر الذي يجعل التفاهمات الأمريكية الإيرانية جزءا من مشهد عالمي أوسع يشهد إعادة تشكيل للتوازنات الدولية.
وبين من يعتبر هذه التطورات فرصة لتعزيز الاستقرار، ومن يراها مدخلا لتحولات أكثر تعقيدا، يبقى المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق تاريخي. لأن القرارات التي تتخذ اليوم قد تحدد شكل المنطقة لعقود مقبلة، كما أن نتائجها لن تقتصر على دول الشرق الأوسط وحدها، بل قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نعيش نهاية مرحلة أم بداية أخرى، بل ما إذا كنا أمام تحول استراتيجي كبير يعيد صياغة المشهد السياسي العالمي بصورة لم تتضح ملامحها الكاملة بعد. فالتاريخ غالبا لا يتحرك عبر لحظات الانهيار المفاجئة، بل من خلال تحولات تدريجية تتكشف نتائجها مع مرور الوقت، لتصنع واقعا جديدا يختلف عما عرفه العالم في العقود السابقة.
شارك المقال























Leave a Reply