رصد المغرب /الحيداوي عبد الفتاح
في خضم النقاشات اليومية حول النقل والسكن والتشغيل والبنية التحتية، تتسلل إلى مدينة سلا أزمة من نوع مختلف أزمة لا تتعلق بالأحياء بقدر ما تتعلق بحق الموتى في مثواهم الأخير. إنها قضية المقابر التي بدأت تفرض نفسها بقوة بعد تزايد المؤشرات على اقتراب امتلاء المقابر الحالية وعجزها عن استيعاب الأعداد المتزايدة من حالات الدفن.
لقد تحولت هذه القضية خلال الأيام الأخيرة إلى حديث متداول بين الأسر التي وجدت نفسها أمام صعوبات حقيقية أثناء دفن أقاربها، حيث بدأ يتردد السؤال الذي كان الجميع يؤجل طرحه: أين سيدفن السلاويون موتاهم في المستقبل القريب؟
إن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في الجانب التدبيري المرتبط بتوفير الوعاء العقاري اللازم لإنشاء مقبرة جديدة، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد دينية وإنسانية واجتماعية عميقة. فالمقبرة ليست مجرد مساحة ترابية، بل هي جزء من كرامة الإنسان التي ينبغي أن تصان بعد الوفاة كما تصان في حياته. لذلك فإن التخطيط للمقابر لا يقل أهمية عن التخطيط للمدارس والمستشفيات والطرق، بل قد يكون أكثر حساسية لأنه يتعلق بلحظة إنسانية لا تقبل التأجيل أو الارتجال.
والمثير للاستغراب أن هذا الموضوع الحيوي لا يحظى بالنقاش العمومي الذي يستحقه. فالأحزاب السياسية التي تتولى تدبير الشأن المحلي تبدو غائبة عن تقديم تصورات واضحة للرأي العام حول مستقبل المقابر بالمدينة، كما أن العديد من الفاعلين الجمعويين والمنتخبين والمؤسسات المعنية لم يفتحوا بعد نقاشا عموميا حول هذا الملف رغم المؤشرات المتزايدة على اقتراب الأزمة.
والأمر لا يتوقف عند مسألة السعة فقط، بل يشمل أيضا واقع عدد من المقابر الحالية التي تعاني مظاهر من العشوائية وضعف التنظيم. فالزائر لبعض المقابر يلاحظ تداخلا في القبور، وغيابا للتخطيط العمراني المناسب، ونقصا في المرافق والخدمات الأساسية، فضلا عن ممارسات لا تنسجم دائما مع حرمة المكان وسكينة الموتى. وهذا يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمدى حضور رؤية شاملة لتدبير المقابر باعتبارها فضاءات للكرامة والاحترام وليس مجرد أماكن للدفن.
إن معالجة هذه الأزمة تقتضي تحركا استباقيا قبل الوصول إلى مرحلة الاختناق الكامل. المطلوب اليوم هو فتح نقاش عمومي تشارك فيه الجماعة الترابية والسلطات المختصة والعلماء والمهندسون والفاعلون المدنيون وساكنة المدينة، من أجل تحديد الاحتياجات المستقبلية وتوفير العقارات المناسبة وإنجاز مقابر تستجيب للمعايير الشرعية والتنظيمية والبيئية.
كما أن لخطباء المساجد والعلماء دورا مهما في إثارة الانتباه إلى هذه القضية، ليس من باب التخويف، وإنما من باب التذكير بأن احترام الميت ورعاية شؤونه جزء من مسؤولية المجتمع بأكمله. فالقضية ليست تقنية فقط، بل هي أيضا قضية قيم ووعي جماعي.
إن المدن الكبرى التي لا تخطط لمقابرها بشكل استباقي تجد نفسها لاحقا أمام أزمات معقدة يصعب تدبيرها في وقت وجيز. وسلا، بما تعرفه من نمو ديمغرافي متسارع واتساع عمراني مستمر، ليست استثناء من هذه القاعدة.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم قبل الغد هو: هل تمتلك المدينة تصورا واضحا لمقبرة المستقبل؟ أم أن الساكنة ستفاجأ بعد سنوات قليلة بأزمة كان بالإمكان تجنبها لو فتح النقاش في الوقت المناسب؟
دق ناقوس الخطر اليوم ليس تشاؤما، بل هو دعوة إلى التخطيط المسؤول. فحق الأحياء في مدينة منظمة لا ينفصل عن حق الموتى في دفن كريم، وأي مدينة تفكر في مستقبلها لا يمكن أن تغفل عن هذا الجانب الإنساني العميق من تدبير الشأن العام.
شارك المقال























Leave a Reply