رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للسخرية في السنوات الأخيرة، تتحدث التسريبات والتقارير عن صفقة ضخمة بين الولايات المتحدة وإيران تتضمن الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وانسحابا أمريكيا من مناطق محيطة بإيران، إلى جانب تعهدات أمريكية وغربية تصل إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.
المشهد يبدو أقرب إلى نهاية فيلم طويل ومكلف أكثر منه إلى انتصار استراتيجي حاسم. حيث بعد أن أُنفقت عشرات المليارات على العمليات العسكرية والقصف، والتي تقدر تكلفتها بنحو 80 مليار دولار، يجد المراقب نفسه أمام سؤال بسيط، وهو إذا كانت النتيجة النهائية هي تمويل إعادة الإعمار بمئات المليارات، فلماذا كانت الحرب أصلا؟
الأكثر غرابة أن كل هذه التكاليف والضجيج السياسي والإعلامي قدمت للجمهور تحت عنوان حماية الملاحة الدولية وإعادة فتح مضيق هرمز. لكن المفارقة التي يتداولها المنتقدون هي أن المضيق لم يغلق بالكامل في المقام الأول، ما يجعل الحصيلة النهائية تبدو وكأنها جهد هائل لتحقيق هدف لم يكن مفقودا أساسا.
وفي الجانب الآخر من المشهد، يعيش أنصار تغيير الأنظمة وأصحاب الخطاب الداعي إلى التصعيد العسكري حالة من الارتباك. فهؤلاء الذين أمضوا سنوات يطالبون بالمزيد من القصف والتدخل يجدون أنفسهم الآن أمام نهاية لا تشبه السيناريو الذي رسموه. القنابل توقفت عن السقوط، والحرب تتجه نحو التهدئة، بينما تستعد الأطراف المختلفة للحديث عن إعادة الإعمار والتسويات السياسية.
ومن المفارقات التي يبرزها المنتقدون أيضا أن بعض الأصوات التي قدمت نفسها باعتبارها الأكثر وطنية تبدو اليوم غاضبة لأن الحرب انتهت بدلا من أن تتوسع. وكأن معيار النجاح لم يعد حماية المصالح الوطنية أو إنهاء النزاعات، بل استمرارها إلى أجل غير مسمى.
أما على المستوى الرمزي، فيشير البعض إلى مشاهد رفع الأعلام الإيرانية في فعاليات رياضية داخل الولايات المتحدة، بما فيها مباريات كأس العالم في لوس أنجلوس، باعتبارها صورة تعكس حجم التناقض بين الخطاب السياسي المتشدد والواقع الذي يفرض نفسه في النهاية. فبعد كل التهديدات والتصعيد، يعود الناس إلى الملاعب والاحتفالات والحياة الطبيعية.
وفي خضم كل ذلك، تتجدد السخرية من الوعود الانتخابية والشعارات الكبرى التي ترفع خلال الحملات السياسية. فالسياسي الذي يقدم نفسه في موسم الانتخابات بصورة المسالم المتزن قد يعود سريعا إلى لغة القوة عندما يصل إلى السلطة، تماما كما لو أن مفترسا قرر فجأة إعلان حبه للخضروات.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول تفاصيل الصفقة أو دقتها أو آثارها المستقبلية، لكن أمرا واحدا يبدو واضحا، وهو عندما تنتهي الحروب بإنفاق مئات المليارات لإصلاح ما دمرته مليارات أخرى، يصبح من حق المواطنين أن يتساءلوا عما إذا كان النصر الحقيقي قد تحقق، أم أن الجميع خرج من المعركة مثقلا بالفواتير فقط.
شارك المقال























Leave a Reply