رصد المغرب/الهداج محمد
انتشرت منذ سنوات استعارة تدافع عن المشاركة السياسية،، بدعوى أن العزوف عنها ضرب من العنوسة، ولازم هذا أن العنوسة منقصة، ولهذه الاستعارة وجه مناقض وحاصله أن العفاف والعنوسة أولى من التسكع والدعارة. وحقل السياسة لا مكان فيه للعواطف عند أهلها، ولا قواعد تحدد أمكنة الضرب المسموح سحقها.
ونحن نعيش على أعتاب “استحقاق” انتخابي، ولا يخفى موقفي من هذا الشيء، وهو موقف لم يتغير على الرغم من تَساتُل العقود، سأجعل الحديث عن اللغة مناسبا للحدث الجلل.
حديثي هو، على الحقيقة، حكاية لوقائع عرفها الحقل السياسي الأمريكي منذ سنوات. وتابعتُ سجالاتها العجيبة، خاصة وقد شارك فيها لغويون مرموقون وكان أشهرهم ستيفن بينكر.
بطل هذه القصة هو أحد أهم اللغويين الغربيين في هذا الزمان، وهو الأمريكي جورج لاكوف، والذي يعرفه الكثيرون بكتابه ” الاستعارات التي نحيا بها”.
عندما انهزم الديموقراطيون أمام جورج بوش الإبن، وذهبت ريحهم وتدنت شعبيتهم سنوات بعد ذلك، جاءهم جورج لاكوف من “محراب العلم” وسذاجته ودخل ميدان السياسة ونصّب نفسه منظرا للحزب وصفق له الديموقراطيون في بداية رحلته الدونكيشوطية. وأخرج حينئذ كتابه الذي أراد به تجديد الخطاب السياسي للديموقراطين بالتوسل ب”آخر” نتائج العلوم المعرفية، ويقصد بها عادة آخر ما توصل إليه هو. كان عنوان الكتاب هو: “حرية من؟ العراك على أهم الأفكار عند الأمريكان”. Whose Freedom? The Battle Over America’s Most Important Idea.
جمع فيها هذا الكتاب أفكارا سبق أن عرضها في كتب سابقة له، خاصة “السياسة الأخلاقية” و”لا تستحضر فيلا”. “Moral Politics” , Don’t Think of an Elephant!”.

وحاصل تجديده أن زعم وجود بنيتين أو نموذجين أو نسقين استعاريين يحكمان تصورَ العائلة، أحدهما يدور حول العائلة الراعية والآخر حول الأب السلطوي الصارم. “وفقًا لهذا النموذج، يتقاسم الوالدان، (إن كان اثنان)، المسؤولية بالتساوي، ولا توجد بينهما أي أفضلية أو تسلسل هرمي قائم على النوع الاجتماعي. ويتمثل دور الوالدين في تنشئة أبنائهما ورعايتهم، وإعدادهم ليصبحوا هم أيضًا أشخاصًا يعتنون بالآخرين. ولا تقتصر الرعاية على التعاطف والشعور بالمسؤولية (تجاه الذات والآخرين)، بل تشمل كذلك كل ما تستلزمه المسؤولية من قوة، وكفاءة، وصبر، ومثابرة، وسائر الفضائل المرتبطة بها” . ص 74. و “نموذج “الأب الصارم” للأسرة يقوم على تمييز واضح بين الأدوار النوعية. ففي هذا النموذج، لا يمكن أن يكون الوالدان مثليَّين؛ إذ لا بد أن يكون أحدهما رجلًا والآخر امرأة. فالأب وحده، وليس الأم، هو القادر على حماية الأسرة وإعالتها، وعلى التحلي بالحزم الكافي لتأديب الأطفال، وبالقوة اللازمة ليكون السلطة الأخلاقية داخل الأسرة. وإذا كانت هويتك ذاتها قائمة على الدور الذي تؤديه في أسرة يحكمها نموذج “الأب الصارم”، فمن الطبيعي أن تشعر بأن هويتك مهددة بفكرة زواج المثليين.” ص 193.
النموذجان الاستعاريان يمكن تَعقُّل الحزبين الأمريكين الكبيرين من خلالهما، فالنموذج الأول هو الحزب الديموقراطي وشعاره الحمار كما هو معلوم والنموذج الثاني هو الحزب الجمهوري الذي يتقدمه فيل يدمر كل شيء. ولا يخفى على القارئ الحصيف القدر العظيم من “الموضوعية” الموجود في كلام منظرنا الكبير، وانتماؤُه للحزب الأول محض عرَض لا تأثير له في نتائج “العلم”.
كتاب لاكوف هذا عرّضه للكثير من النقد والسخرية لأنه دخل عُش غيره فجاء من الإسفاف بالعجب العجاب مع أنه في تخصص رائد لا يجادل حتى خصومه في قدره فيه.
وتوظيف ثمرات البحوث العلمية في الدعاية، يذهب بالعلم والدعاية معا. ووظف في نفس الكتاب مفهوما استقاه من كتبه السابقة، حيث يزعم مُحقا، أن الطريقة التي تُعرض بها الفكرة لها أثر في قبول الناس لها أو نفورهم منها، وأطلق على المفهوم لفظ: Framing ولا أجد ترجمة تُسعف في الاستعمال والتصريف لأداء المعنى نفسه في الانجليزية وسأستعمل التأطير للضرورة. وضرب لذلك مثالا بالضريبة، فالجمهوريون يصورونها كسرقة لنقود المواطن، ويدعو عالمنا إلى تغيير الإطار الذي تُساق فيه الكلمة reframe the debate. وتقديمها للمواطن في صورة تكون بردا وسلاما على المتلقين من مثل “تكاليف العضوية للصيانة والامتداد بالخدمات”.
مفاهيم الاستعارة و التأطير هي ذات وجاهة وكفاية في تحليل الخطاب الطبيعي لا جدال هنالك، والسياسيون الأمريكان متفنون في توظيفهما قبل لاكوف بعقود، ولكل حزب ديماغوجيوه الذين يُنظرون لكيفيات التحكم في السرد و”تأطير النقاش”، وخطأ لاكوف أنه دخل السياسة ببضاعة مزجاة من فن الدعاية وطرائق “الإقناع” وضروب الحِجاج، ثم سخّر “نتائج” بحوثه بطريقة ساذجة بأن رمى خصمه بكل نقيصة، ونثر الورود على حزبه حتى جعل حماره يبُز المرسيدس.
شارك المقال























Leave a Reply