رصد المغرب / العلمي الحروني (منسق تيار اليسار الجديد المتجدد) /
طيلة العقد الأول من الألفية، كان فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب لدى وزارة الداخلية آنذاك، يعد العدة لتأسيس مشروع سياسي جديد بدعم ضمني من القصر. استقال من منصبه سنة 2007 وأسس “حركة لكل الديمقراطيين”، التي تحولت في غشت 2008 إلى حزب الأصالة والمعاصرة “البام”. وبعدما استدعي مؤسسه سنة 2011 ليصبح مستشارا للملك محمد السادس، قدم استقالته من قيادة الحزب، تاركا خلفه بنية حزبية ظلت توصف بأنها “خرجت من رحم القصر”.
أولا- من “الفديك” إلى “البام”… صناعة الأحزاب ثابتة
ليس “البام” استثناء في تاريخنا السياسي، بل حلقة في سلسلة طويلة. فالنظام السياسي المغربي، كما تشخصه أرضية اليسار الجديد المتجدد، نظام طبقي هجين يجمع بين الدولة السلطانية المستبدة ودولة حديثة لا تتجاوز حداثتها النصوص والهياكل الشكلية. ومن أدوات استمراريته تدجين الهيئات السياسية وإضعافها واختراقها، عبر ابتداع “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (الفديك) سنة 1963، إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي” سنة 1965 إلى الأحرار” سنة 1978 إلى “الحزب الوطني الديمقراطي” سنة 1981 و “الاتحاد الدستوري ” سنة 1983 وصولا إلى “البام” حاليا، بالتوازي مع صناعة نقابات وهيئات حقوقية طيعة وشراء ذمم بعض القيادات.
وللتاريخ، فإن ولادة هذا المشروع لم تكن بعيدة عن الصف اليساري نفسه. فقد عرف المؤتمر الوطني الثاني للحزب الاشتراكي الموحد أطروحات داخلية تدعو إلى التحالف مع “حمائم النظام” في مواجهة تيار الإسلام السياسي، وقد رفضها المناضلون. أصحاب تلك الأطروحات هم من اتجهوا، سنة 2007، إلى “حركة لكل الديمقراطيين” برعاية المخزن، تمهيدا للمشاركة في تأسيس “حزب القصر”. وحري بالإشارة إلى تزامن ذلك ولقاءات شبه سرية سنة 2006 جمعت أعضاء قياديين من نفس الحزب هم محمد الساسي ومحمد حفيظ والأمين العام محمد مجاهد مع وفد رسمي بقيادة الوزير المنتدب لدى وزارة الداخلية آنذاك فؤاد عالي الهمة بمعية عزيز أخنوش ومصطفى الباكوري ومصطفى التراب ومحمد المعتصم حيث قدمت خلالها عروض سياسة، صمد الحزب يومها أمام تلك العروض والإغراءات، كما صمد قبلها حين رفضت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سنة 1998 عرض الاستوزار في حكومة التناوب.
بفضل هذا القرب من دوائر النفوذ، التهم “البام” مجمل الأحزاب الإدارية، وفرض هيمنته السريعة على الحقل السياسي، كما اخترق مكونات الحركة اليسارية والديمقراطية وكذا مكونات الحركة الإسلامية، بحيث أدخل جميع التنظيمات إلى جحورها، وكاد أن يصل إلى قيادة الحكومة.
ثانيا- الشارع هو من ردعه… من 20 فبراير إلى جيل Z212
لولا بروز حركة 20 فبراير سنة 2011 لكان “البام” قد وصل إلى رئاسة الحكومة سنة 2012. لقد ردعته الحركة ردعا وجعلته يتوارى إلى الخلف، ورفعت في وثيقتها التأسيسية مطلب الملكية البرلمانية. غير أن النظام التف على اللحظة بدستور 2011، الذي تصفه الأرضية بـ”التوفيقية الدستورية” أي جمع غير منسجم بين مفاهيم حداثية وأخرى تقليدية، مع احتفاظ الملكية التنفيذية بسلطاتها الواسعة، الحربية والدينية والاقتصادية، وإضعاف الديمقراطية التمثيلية لصالح مؤسسات دستورية تتجاوز الحكومة والبرلمان.
عاد حزب البام بقوة خلال انتخابات سنتي 2015 و2016، غير أن حراك الريف الشعبي (2016-2017)، وبعده حراك جرادة (2018)، كان له بالمرصاد، فأنهكه وأضعف زخمه من جديد، مما ساهم في عودة “البيجيدي” إلى الصدارة.
وفي انتخابات 2021، المتزامنة مع جائحة كوفيد 19، عاد “البام” ليحتل المرتبة الثانية، خلف حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب “الموالي” المصنوع صنعا بجمع المرشحين اللامنتمين تحت يافطة “الأحرار” وإسناده سنة 1978 إلى صهر الملك الراحل أحمد عصمان. ودخل معه، ومع حزب الاستقلال، حزب علال الفاسي للأسف، في تحالف حكومي ثلاثي قاده عزيز أخنوش.
واليوم، ورغم موجة الغضب الشعبي التي عبرت عنها حركة “جيل Z212” سنة 2025، والتي طالبت أساسا بإقالة الحكومة على خلفية أزمتي الصحة والتعليم وقضايا الفساد، وما تلاها من اعتقالات ومتابعات بالمئات في صفوف الشباب المحتج سلميا، يعود حزب “البام” إلى الواجهة، وقد يتصدر نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 ويصل إلى رئاسة الحكومة.
ثالثا- وهم الثنائية القطبية… التحكم والتمكين وجهان لعملة واحدة
روجت الآلة الإعلامية المخزنية طويلا لثنائية قطبية مزيفة بين “البام” و”البيجيدي” ومن لف حولهما، وانزلقت بعض مكونات اليسار إلى تزكيتها حين تبنت مفهوم “الخيار الثالث” في محطتي 2015 و2016. والحقيقة، كما تؤكد الأرضية، أن هذه الثنائية ليست سوى قطب واحد بوجهين: تيار التحكم المخزني وتيار التمكين الأصولي، يتناوبان على التدبير الحكومي ويخدمان معا التوجه النيوليبرالي المتوحش عبر وكلائه المحليين. ومن هنا ديمومة الأزمة ذلك أن التناوب بين الوجهين لا يغير شيئا في جوهر الاختيارات.
رابعا – زواج السلطة بالمال… الاستبداد والفساد زوج لا ينفصل
تنطلق أرضية اليسار الجديد من أن الاستبداد والفساد وجهان لعملة واحدة، كل منهما يغذي الآخر ويحميه ويعيد إنتاجه، وأن الفساد ليس إلا الصورة الحقيقية للاستبداد في حقول السياسة والاقتصاد والإدارة. ولهذا الزوج كلفة باهظة، فحسب أبحاث خبراء تستند إليها الأرضية، يكبد الفساد المغرب نحو 50 مليار درهم سنويا، أي ما بين 3.5 و6 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وقد حملت الحكومة الحالية منذ ولادتها ما يسميه أحد الاقتصاديين التقدميين بـ “الخطيئة الأصلية”: رجل أعمال ثقيل على رأس الجهاز التنفيذي، وخلط مفرط بين المسؤولية السياسية وعالم المال والتجارة، بما “يفسد الحكم والتجارة” معا حسب عبارة ابن خلدون. ويكفي التذكير بملف المحروقات: تحرير السوق مباشرة بعد توقف مصفاة “سامير” وفي غياب مجلس المنافسة، ثم ما رافق تقرير هذا المجلس من التباسات. إن حزبا يطمح اليوم إلى خلافة هذه الحكومة، بعدما كان شريكا فيها، لا يقدم بديلا عن هذا الزواج، بل يعرض نفسه وريثا له.
خامس- لوبي المخدرات والبنية الموازية للدولة
الأخطر من ذلك أن هذا الحزب ” البام” الذي وصف بأنه “يأمر ويؤتمر بأوامره” تلاحقه ملفات قضائية محرجة، إذ يتابع بعض قيادييه الجهويين والوطنيين (وعلى رأسهم مسؤولون في جهة الشرق وبالدار البيضاء) في ملفات مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات.
وتعتبر أرضية اليسار الجديد المتجدد أن قضية المخدرات لم تعد مجرد ملف أمني أو اجتماعي، بل صارت عائقا حاسما أمام الدمقرطة، عبر لوبي سياسي-اقتصادي مواز للدولة يؤثر في الانتخابات وفي صنع القرار. وتستحضر في هذا الباب تحذير المفكر حسن أوريد من بروز تيار سياسي، لأول مرة منذ الاستقلال، انبثق من عالم المخدرات وتسلل إلى مربع السلطة، ومن وجود بنية موازية للدولة شبيهة بالمافيا نجحت في اختراق الدولة نفسها، وذلك في كتابه “المغرب في حاجة إلى ثورة ثقافية”.
وإن كانت الأرضية تطالب بمحاسبة علنية لكل المتورطين دون استثناء وبمحاكمة عادلة يكون الفصل فيها للقضاء، فإن المسؤولية السياسية تبقى قائمة فكيف لحزب أن يزكي مثل هذه الأسماء في مواقع المسؤولية ثم يطلب ثقة الناخبين لقيادة الحكومة المقبلة؟
سادسا- فمن سيردع “البام” هذه المرة؟
للأسف الشديد، ومع راهن الحقل السياسي المبلقن، والضعف والوهن اللذين أصابا اليسار وعموم الحركة الديمقراطية، قد يفوز هذا الحزب، وسيجد هذه المرة وسط الحركة اليسارية والديمقراطية نفسها حلفاء ممن يهرولون وراء حقائب وزارية أو عن وزارات بدون حقائب أو مناصب.
وهنا تقدم الأرضية تشخيصا صريحا يتمثل في أن أكبر عائق أمام التغيير المنشود هو غياب الحلقة الأساسية في الصراع، أي القيادة السياسية الحقيقية للنضالات المجتمعية. فالحراك الاجتماعي، من 20 فبراير إلى الريف إلى جيل Z212، استطاع أن يردع هذا الحزب المصنوع، لكنه لم يجد من يحول غضبه إلى بديل سياسي منظم. ويتحمل اليسار، الغارق في صراعاته الداخلية واختراقاته وزعاماته المتشبثة بالمواقع، جزءا كبيرا من هذا الفراغ. لذلك فإن الردع هذه المرة لن يأتي من الشارع وحده، وإنما من تحالف الشارع وبديل يساري جماهيري مواطن ديمقراطي واضح نابع من تربة الحراك ومن القاعدة الشعبية.
وترسم الأرضية معالم هذا البديل في خمس نقاط أساسية. أولا، خط أحمر سياسي و أخلاقي ضد الفساد، وثانيا، تبني مطلب الملكية البرلمانية كمطلب معبئ مع الانتقال بهذا المطلب من شعار مستهلك إلى استراتيجية حقيقية ملموسة، عبر مراجعة دستورية تجعل الحكومة منبثقة عن البرلمان ومسؤولة أمامه، والملك رمزا لا يحكم، وثالثا، تأسيس جبهة وطنية ضد الفساد عبر خلية يقظة مركزية لرصد الفساد وفضحه، و”أگورا مواطنة” رقمية، واستثمار تقارير المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة وهيئة النزاهة، وتحريك الدعوى العمومية عبر محاميين مستقلين، وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” وفك الارتباط بين السلطة والمال، ورابعا، عقد تحالفات بدوائر متدرجة: والبداية بفتح حوار حقيقي بين قوى اليسار الجديد المهيكلة وغير المعلنة عن نفسها، ثم تنسيق مع الأحزاب الديمقراطية المتدبدبة شرط نقدها الذاتي، ثم انفتاح، من موقع قوة، على باقي القوى الحية حول برنامج حد أدنى مشترك. وتذكر الأرضية بأن التحالفات الواسعة ضرورية، لكنها تتفكك وتعود ثمارها للجهة الأكثر تنظيما إن لم تُبنَ على قاعدة طبقية واضحة وقيادة يسارية ديمقراطية شجاعة ومقدامة. وأخيرا فتح قنوات التواصل لمد الجسور مع الجيل الجديد باعتباره تعبيرا عن تحولات مجتمعية عميقة، وبناء أنوية قاعدية مشتركة في الجامعات والأحياء الشعبية والبوادي، وفتح المقرات الحزبية أمام الفعل الشعبي المستقل.
سابعا – السكتة القلبية أم الانفجار الكبير؟
لقد اعترف الحاكمون أنفسهم بعمق الأزمة وبديمومتها، في عهد الحسن الثاني بخطاب “السكتة القلبية”، وفي العهد الحالي بسؤال “أين الثروة؟”. وتنبه أرضية اليسار الجديد المتجدد إلى أن الكلفة التاريخية للاستبداد هي هدر عقود من إمكانيات التحديث ومراكمة الأزمات، بما قد يفضي إلى انفجارات اجتماعية.
فهل إذا نجح هذا الحزب ( البام) في مسعاه من خلال اقتراع 23 شتنبر 2026، سيأتي مع نجاحه بالسكتة القلبية الكبرى، أم بالانفجار الكبير، الـ Big Bang؟
بين السكتة والانفجار طريق ثالث يرسمه اليسار الجديد المتجدد مفاده تحويل الأزمة الاجتماعية الراهنة إلى موجة ديمقراطية سلمية من أجل تغيير ديمقراطي جذري، عنوانها ملكية برلمانية فعلية ومعركة مفتوحة ضد الاستبداد وحليفه الفساد. ذلك وحده ما يمكن أن يردع “البام” هذه المرة، وما يأتي بعده.
شارك المقال






















Leave a Reply