رصد المغرب /
ثمة مفارقة في تدبير قطاع سيارات الأجرة بالمغرب تستحق أن تطرح اليوم بوضوح أمام الحكومة، لأنها لم تعد مجرد مشكلة مهنية تخص السائقين وحدهم، بل أصبحت سؤالاً عن الانسجام بين القرارات الاقتصادية للدولة ومدى قدرتها على حماية التوازن داخل القطاعات التي تنظمها. فمنذ فاتح دجنبر 2015، دخل تحرير أسعار المحروقات حيز التنفيذ، وأصبح سعر الغازوال خاضعاً لتقلبات السوق، بينما ظلت تعريفة سيارات الأجرة خاضعة للتقنين الإداري، لا يملك السائق أن يرفعها بإرادته كلما ارتفعت كلفة العمل، ولا أن يضيف إلى ثمن الرحلة ما يعوض به الزيادة في المحروقات أو الصيانة أو قطع الغيار أو التأمين. وهنا يكمن جوهر الإشكال: الدولة حررت ثمن أحد أهم مدخلات هذه الخدمة، لكنها أبقت ثمن الخدمة نفسها مقيداً، دون أن تضع في المقابل آلية دائمة وواضحة تضمن التوازن بين الاثنين. ولسنا هنا بصدد المطالبة بزيادة عشوائية في تعريفة سيارات الأجرة، ولا بالدفاع عن رفع الأسعار على حساب المواطن الذي يواجه بدوره ارتفاع تكاليف المعيشة، وإنما نطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن مطالبة مهني باحترام تعريفة محددة إدارياً، في الوقت الذي يواجه فيه مصاريف تتغير وفق سوق لا يملك أي سلطة عليها؟ إن المقارنة مع بعض الأنشطة التجارية الأخرى توضح جانباً من هذا الاختلال؛ فالتاجر الذي يبيع الخضر أو اللحوم أو غيرها من المنتجات يستطيع، في إطار القواعد القانونية المنظمة للمنافسة وحماية المستهلك، أن يراجع أسعار البيع وفق تطورات السوق، مع التزامه بالإعلان عن الثمن واحترام الضوابط المعمول بها، بينما لا يملك سائق سيارة الأجرة هامشاً مماثلاً، رغم أن الوقود يمثل عنصراً أساسياً في تكلفة نشاطه. ولا يعني ذلك أن كل زيادة في أسعار المنتجات مبررة أو أن الغازوال هو السبب الوحيد في غلاء المعيشة، بل المقصود أن هناك اختلافاً واضحاً في قدرة كل نشاط على التكيف مع ارتفاع التكاليف، وهو اختلاف ينبغي أن تأخذه السياسات العمومية بعين الاعتبار. لقد اختارت الدولة، في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، اللجوء إلى دعم مهنيي النقل الطرقي، وهي خطوة يمكن تفهم دوافعها وأهدافها، خصوصاً حين يكون الهدف هو التخفيف من آثار ارتفاع الوقود والحفاظ على استقرار أسعار النقل بالنسبة إلى المواطنين. لكن الإشكال لم يعد اليوم مرتبطاً فقط بقيمة الدعم أو بالفئات المستفيدة منه، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بطريقة تدبيره وتوقيت صرفه ومدى انتظامه. فالحكومة تتحدث عن حصص دعم تغطي خمسة عشر يوماً، غير أن تغطية فترة زمنية من خمسة عشر يوماً لا تعني أن المهني يتوصل بالدعم كل خمسة عشر يوماً، وهنا يجب التمييز بين مدة الحصة التي يشملها الدعم، وتاريخ فتح باب التسجيل، وموعد معالجة الطلبات، ثم تاريخ الصرف الفعلي. وهذه أمور مختلفة لا ينبغي الخلط بينها. ففي آخر إعلان حكومي صدر يوم 2 نونبر 2026، جرى الحديث عن حصة إضافية تغطي خمسة عشر يوماً، مع تحديد يوم 10 نونبر موعداً لفتح المنصة أمام المهنيين، دون أن يتضمن الإعلان موعداً مضبوطاً لصرف المبالغ في حسابات المستفيدين. وإذا قارنا هذا الموعد بتاريخ فتح التسجيل السابق المعلن عنه يوم 24 شتنبر، نجد أن الفارق بين التاريخين يبلغ سبعة وأربعين يوماً، وهو فارق يطرح سؤالاً مشروعاً حول انتظام العملية واستمراريتها، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المهنيين ظلوا دون أي استفادة طوال هذه المدة. فالمشكلة هنا ليست في الحساب وحده، بل في غياب جدول زمني واضح يستطيع المهني الاعتماد عليه، وفي استمرار ارتباط الاستفادة بإعلانات متجددة لا تمنحه اليقين بشأن موعد الحصة المقبلة أو تاريخ صرفها. فكيف يمكن الحديث عن دعم يغطي خمسة عشر يوماً، بينما لا يعرف المهني على وجه الدقة متى يفتح باب التسجيل، ومتى تتم معالجة طلبه، ومتى يصل المبلغ إلى حسابه؟ وهل يعقل أن تكون مصاريف السائق يومية، وأن يشتري الغازوال كل يوم، ويؤدي التزاماته المهنية في مواعيدها، بينما يظل موعد الدعم معلقاً على بلاغ حكومي جديد؟ إن السائق لا يستطيع أن يطلب من محطة الوقود الانتظار إلى حين فتح المنصة، ولا من صاحب قطع الغيار تأجيل مستحقاته إلى حين صدور إعلان جديد، ولا من شركة التأمين تغيير آجال الأداء وفق إيقاع الدعم. فالكلفة حاضرة كل يوم، أما الدعم فيظل رهيناً بتوقيت لا يتحكم فيه المهني ولا يعرف مسبقاً متى سيأتي. وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بعدم اليقين المالي؛ فالمهني لا يحتاج فقط إلى مبلغ مالي يساعده على مواجهة المصاريف، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة موعده وانتظامه حتى يتمكن من تدبير نشاطه والتزاماته. ومن هنا فإن الإشكال لا يتعلق بإنكار ما قدمته الحكومة من دعم، ولا بالتقليل من أهميته في بعض الفترات، بل بالتساؤل عن سبب استمرار التعامل معه باعتباره إجراءً استثنائياً متجدداً، دون إرساء قواعد مستقرة ومعلنة تضبط شروطه ومواعيده وكيفية صرفه. إن الدعم الذي لا يعرف المستفيد موعده مسبقاً لا يمكن أن يشكل أساساً لسياسة مهنية مستقرة، مهما كانت قيمته، كما أن تكرار البلاغات لا يعوض غياب رؤية واضحة على المدى المتوسط والبعيد. وهنا نصل إلى المسؤولية الحكومية في هذا الملف. فالقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يكرس مبدأ حرية الأسعار باعتباره أصلاً عاماً، مع وجود حالات تقنين واستثناءات ينظمها القانون، فيما تخضع تعريفة سيارات الأجرة للقرارات والضوابط الإدارية المختصة في مجال النقل. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بترك السائق يحدد ثمن الرحلة كما يشاء، وإنما بضرورة جعل التقنين نفسه قادراً على مواكبة تطورات كلفة الاستغلال. فالتقنين ليس معناه تجميد الأسعار إلى أجل غير معلوم، كما أن حماية المستهلك لا تعني تجاهل التكاليف الحقيقية التي يتحملها مقدم الخدمة. وقد سبق أن جرى تعديل تعريفة سيارات الأجرة في بعض المدن، وهو ما يؤكد أن مراجعة التعريفة ممكنة عبر المساطر المؤسساتية، وليست أمراً مستحيلاً أو خروجاً عن منطق التنظيم. لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: لماذا لا تتحول هذه المراجعة إلى آلية دورية واضحة، تستند إلى معايير موضوعية، بدل أن تظل مرتبطة بظروف متفرقة أو مطالبات تتكرر كلما اشتدت الأزمة؟ إن المطلوب ليس ربط تعريفة الطاكسي آلياً بكل تغير يومي في سعر الغازوال، لأن تكلفة الخدمة لا تتكون من الوقود وحده، بل من عناصر متعددة تشمل الصيانة وقطع الغيار والتأمين وغيرها، وإنما اعتماد مؤشر دوري يدرس تطور مجموع هذه التكاليف، ويحدد عتبات واضحة تستوجب مراجعة التعريفة أو تفعيل تعويض مناسب. ويمكن أن يتم ذلك عبر لجنة مختصة تضم الجهات المعنية وممثلي المهنيين والمستهلكين، وتعلن نتائج دراستها ومعاييرها للرأي العام، حتى لا تبقى القرارات خاضعة للتقدير الظرفي أو للضغط عند كل ارتفاع جديد. وبالموازاة مع ذلك، إذا اختارت الحكومة الإبقاء على التعريفة الحالية حماية للقدرة الشرائية للمواطن، فعليها أن تجعل الدعم بديلاً مؤسساتياً واضحاً، لا مجرد إجراء استثنائي ينتظر المهني صدور بلاغ بشأنه. وهذا يقتضي إعلان جدول زمني يميز بين فترة الاستحقاق وموعد التسجيل وتاريخ الصرف، وتحديد المبالغ وشروط الاستفادة، مع احترام آجال معلومة وعدم ترك المهنيين في حالة انتظار مفتوحة. كما يقتضي تحديث آلية الاستفادة وربطها بالتحقق من الممارسة الفعلية للمهنة، حتى يصل الدعم إلى السائق الذي يشتري الوقود ويتحمل مصاريف العمل يومياً، لا أن يتحول إلى امتياز يستفيد منه من لا يتحمل هذه الأعباء الفعلية. فالدعم ينبغي أن يحمي الممارسة المهنية، لا مجرد حيازة وثيقة أو امتلاك رخصة. إننا لا نضع الحكومة أمام خيارين متعارضين، ولا نطالبها بأن تختار بين المواطن والسائق، بل نطالبها بإيجاد معادلة عادلة تحمي الطرفين معاً. فالمواطن من حقه أن يستفيد من تعريفة واضحة ومن خدمة لا تعرف فوضى الأسعار، والسائق من حقه أن يمارس نشاطه في ظروف لا تجعله يتحمل وحده تقلبات السوق، والدولة من واجبها أن تضمن الانسجام بين قراراتها الاقتصادية والتنظيمية. لذلك فإن الرسالة التي نوجهها إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، وإلى السيد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية، ليست مجرد مطلب فئوي، بل سؤال عن جدوى السياسة العمومية نفسها: هل يكفي أن تحرر الدولة أسعار المحروقات، وتبقي تعريفة النقل مقننة، ثم تتدخل من حين إلى آخر بدعم لا يعرف المهني موعده المقبل؟ وهل أصبح البلاغ الحكومي هو الآلية التي تنظم بها العلاقة بين كلفة العمل ومردودية الخدمة؟ إن الحكومة مطالبة اليوم بالخروج من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الإصلاح المستدام، لأن المهني لا يستطيع أن يبني حياته والتزاماته على احتمالات، ولا يمكن أن تظل استمرارية قطاع حيوي رهينة مواعيد غير معلنة ودفعات لا يعرف المستفيد متى تصل. وإذا كانت الدولة قد اختارت تحرير أسعار المحروقات، فعليها أن تتحمل مسؤولية مواكبة آثار هذا الاختيار على القطاعات التي لا تملك حرية تحديد أسعار خدماتها. فإما مراجعة دورية وشفافة للتعريفة وفق معايير موضوعية، وإما دعم مؤسساتي منتظم ومحدد الآجال، مع دراسة الجمع بين الآليتين بما يحقق التوازن ويحمي القدرة الشرائية للمواطن ويحفظ كرامة المهني. أما أن يشتري سائق الطاكسي الغازوال بثمن السوق، ويبيع الرحلة بثمن تحدده الإدارة، ثم ينتظر دعماً لا يعرف موعده إلا من خلال البلاغات، فهذه ليست معادلة اقتصادية متوازنة، ولا سياسة اجتماعية مستدامة، بل اختلال واضح لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالمطلوب من الحكومة ليس أن تعلن عن دعم جديد كلما ارتفعت كلفة المحروقات، بل أن تضع حلاً يجعل المهني يعرف حقوقه والتزاماته ومواعيد استفادته مسبقاً، ويجعل المواطن مطمئناً إلى أن حماية قدرته الشرائية لا تتم على حساب طرف آخر. ذلك هو الإصلاح الحقيقي، وما دونه يظل مجرد تدبير مؤقت لأزمة تتكرر.
شارك المقال























Leave a Reply