رصد المغرب / عبد العالي بريك /
في إطار مواكبتها الميدانية للدورة الثالثة من الحملة الجراحية المجانية التي تنظمها جمعية «عملية البسمة المغرب» (Operation Smile Morocco) بمدينة فاس، قامت جريدة «رصد المغرب» بزيارة ميدانية لمختلف الأقسام والمرافق الطبية التي تحتضن هذه المبادرة الإنسانية، للوقوف عن قرب على سير العمليات التنظيمية والطبية، ومعاينة المراحل التي يمر منها المرضى، ابتداءا من الاستقبال والتشخيص والفحوصات الأولية، وصولا إلى التحضير للتدخل الجراحي ومواكبة المرضى خلال مرحلة التعافي.
وتندرج هذه الحملة، التي تحتضنها مصلحة الجراحة بمستشفى الغساني بفاس، خلال الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى 4 نونبر 2026، في إطار البرنامج الإنساني والتطوعي للجمعية، بشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وبتنسيق مع المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس مكناس، وتستهدف الأشخاص الذين يعانون من تشوهات خلقية على مستوى الشفة أو سقف الحلق، من مختلف الفئات العمرية.
وخلال هذه الزيارة، أتيحت لمراسل الجريدة فرصة الاطلاع على مختلف مراحل العمل داخل الفضاءات الطبية المخصصة للحملة، حيث قدمت طبيبة جراحة شروحات ميدانية مفصلة حول المسار الطبي الذي يخضع له كل مريض قبل اتخاذ قرار إجراء العملية الجراحية.
وتبدأ هذه الرحلة الإنسانية باستقبال المرضى وتسجيل معطياتهم، ثم إخضاعهم للتشخيص الطبي الدقيق وتقييم حالتهم الصحية، قبل المرور إلى الفحوصات والتحاليل اللازمة، واستكمال الإجراءات الطبية الأولية التي تسمح للأطقم المختصة بتحديد مدى جاهزية كل حالة للتدخل الجراحي.
ولا يتوقف التكفل عند هذه المرحلة، بل يمتد إلى التحضير للعملية ومختلف الترتيبات المرتبطة بها، ثم التدخل الجراحي الذي يستهدف إصلاح شق الشفة أو سقف الحلق، وصولا إلى الرعاية الطبية والمراقبة اللاحقة لضمان تعافي المرضى ومواكبتهم وفق احتياجاتهم الصحية.
وقد كشفت هذه الجولة عن حجم التنسيق والعمل الجماعي الذي تتطلبه مثل هذه المبادرات، بالنظر إلى تعدد المراحل الطبية ودقة التدخلات الجراحية، وما تستلزمه من خبرات متخصصة وتعبئة لمختلف الأطر الصحية والتمريضية.
ومن أبرز المعطيات التي ميزت انطلاق هذه الدورة، الإقبال الذي عرفته الحملة خلال يومها الأول، حيث أكد طبيبان متطوعان، أحدهما مغربي والآخر مصري، أن عدد المستفيدين الذين جرى استقبالهم والتكفل بهم في مختلف مراحل الحملة قد يتجاوز 150 مستفيدا خلال اليوم الأول، من مختلف الفئات العمرية.
ويعكس هذا الإقبال حجم الحاجة إلى مثل هذه المبادرات الطبية المجانية، خصوصا لدى الأسر ذات الإمكانات المادية المحدودة، التي قد تجد صعوبة في تحمل تكاليف العمليات الجراحية المتخصصة، رغم ما تفرضه هذه التشوهات الخلقية من معاناة صحية ونفسية واجتماعية على المصابين وأسرهم.
وفي تصريحات ميدانية، أكد الطبيبان المتطوعان أن العمليات الجراحية التي يتم إنجازها في إطار هذه الحملات تمر بنجاح، وفق ما أوضحاه، مشددين على أهمية هذه المبادرة في التخفيف من معاناة المرضى، ومساعدة العديد منهم على تجاوز صعوبات رافقتهم منذ الولادة.
كما أبرزت تصريحاتهما أن العمل التطوعي الطبي لا يقتصر على إجراء العمليات الجراحية، بل يحمل رسالة إنسانية تتجاوز حدود التدخل الطبي، من خلال منح المرضى فرصة جديدة لتحسين وضعهم الصحي واستعادة ثقتهم بأنفسهم والاندماج بصورة أفضل في محيطهم الاجتماعي.
وتعتمد هذه الحملة على تعبئة أطباء متخصصين وأطر طبية وتمريضية ومتطوعين، في إطار عمل جماعي يهدف إلى توفير الرعاية اللازمة للمرضى وفق مراحل متكاملة، بدءا من التشخيص والتقييم الطبي، مرورا بالجراحة، وانتهاء بمتابعة الحالات بعد التدخل.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى أن شق الشفة وسقف الحلق لا يمثلان مجرد تشوهات على مستوى المظهر الخارجي، بل قد يرتبطان بصعوبات في التغذية والنطق، فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تلازم المصابين، خصوصا الأطفال منهم.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية لهذه المبادرة، التي لا تستهدف فقط إصلاح التشوهات الخلقية من الناحية الجراحية، وإنما تسعى إلى التخفيف من معاناة المرضى وأسرهم، وفتح آفاق جديدة أمام المستفيدين للعيش بصورة طبيعية وأكثر اندماجا داخل المجتمع.
وتشكل الدورة الثالثة للحملة الجراحية المجانية لجمعية «عملية البسمة المغرب» محطة جديدة ضمن مسار العمل الإنساني الذي راكمته الجمعية على المستوى الوطني، حيث سبق لها، وفق المعطيات التعريفية المقدمة خلال ندوتها الصحفية، أن ساهمت في توفير الرعاية الجراحية المجانية لأكثر من 14 ألفا و100 مريض، إلى جانب تقديم آلاف الاستشارات والخدمات الطبية، واستفادة أكثر من 162 ألف شخص من مختلف خدماتها.
ومن خلال المعاينة الميدانية، يتضح أن هذه الحملة ليست مجرد موعد لإجراء عمليات جراحية مجانية، بل منظومة متكاملة من الرعاية والتشخيص والتحضير والتدخل الطبي والمواكبة، تقف وراءها كفاءات طبية متطوعة تحمل رسالة إنسانية نبيلة.
وبين أروقة المستشفى، حيث تتعاقب مراحل الفحص والتحضير والجراحة، تتجسد قيمة هذه المبادرة في قصص مرضى وأسر ينتظرون فرصة للتخلص من معاناة امتدت لسنوات، وفي ابتسامات قد تعود إلى وجوه ظلت تنتظر هذا الأمل.
إنها مبادرة تؤكد أن العمل الطبي التطوعي، حين يقترن بالكفاءة والتنسيق والتضامن، يصبح أكثر من مجرد علاج، بل جسرا نحو حياة أفضل، ورسالة إنسانية عنوانها أن الحق في العلاج والأمل ينبغي ألا تحددهما الإمكانات المادية.
شارك المقال























Leave a Reply