مهرجان عيساوة بمكناس. حيث يلتقي التراث الصوفي بالذاكرة الوطنية وإشعاع الثقافة المغربية

رصدالمغرب / عبد العالي بريك /


اختتمت بمدينة مكناس فعاليات الدورة السادسة من مهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات العالم”، بعد أربعة أيام من الأنشطة الفكرية والثقافية والفنية والتراثية، أكدت مرة أخرى المكانة التي يحتلها هذا الموعد السنوي باعتباره فضاء يجمع بين الموسيقى الروحية، والبحث الأكاديمي، وصون الذاكرة الوطنية، والتعريف بغنى التراث المغربي الأصيل.

وشهدت هذه الدورة تنظيم سهرات فنية كبرى أحيتها فرق عيساوية ومجموعات موسيقية من المغرب وخارجه، في أجواء احتفالية استقطبت جمهورا غفيرا من مختلف الأعمار، إلى جانب برنامج ثقافي متنوع ضم معارض ولقاءات فكرية وندوات علمية شكلت قيمة مضافة للمهرجان.

ومن أبرز محطات الدورة السادسة الملتقى الدولي للتصوف، الذي احتضنه الرواق التاريخي باب منصور، ونظم ندوة علمية بعنوان “التصوف والقضايا الوطنية الكبرى: قضية الصحراء المغربية نموذجا”، في تجربة إعلامية وفكرية متميزة قدمت لأول مرة في صيغة مناظرة تلفزيونية، أتاحت للجمهور ووسائل الإعلام متابعة نقاش علمي مباشر جمع نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والأكاديميين والخبراء في مجالات التاريخ والعلوم السياسية والفكر الإسلامي والتصوف.

وأدار أشغال المناظرة سعيد الخمسي، مدير مهرجان عيساوة: مقامات وإيقاعات العالم، الذي أكد أن المهرجان تجاوز مفهومه الفني التقليدي ليصبح مشروعا ثقافيا وفكريا متكاملا، يهدف إلى إبراز المكانة الحضارية للتصوف المغربي، وربط التراث الروحي بالقضايا الوطنية والثقافية، وفتح فضاء للحوار الرصين حول الثوابت الوطنية والهوية المغربية.

ومن بين أبرز المتدخلين الأستاذ عبد الرحيم المنار السليمي، الذي قدم قراءة أكاديمية تناولت الأبعاد التاريخية والسياسية والاستراتيجية لقضية الصحراء المغربية، مبرزا أن الوحدة الترابية للمملكة تستند إلى مرتكزات تاريخية وروحية وقانونية متينة، وأن الزوايا والطرق الصوفية لعبت عبر القرون دورا محوريا في ترسيخ روابط البيعة بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي، وتعزيز وحدة المملكة والحفاظ على أمنها الروحي.

وتقاطعت مداخلات مختلف الباحثين والأكاديميين، كل حسب مجال اختصاصه، عند التأكيد على أن التصوف المغربي لم يكن مجرد ممارسة روحية، بل مؤسسة حضارية أسهمت في نشر قيم الاعتدال والتسامح، وصيانة الهوية الدينية للمملكة، وترسيخ التماسك المجتمعي، والدفاع عن الثوابت الوطنية، كما أبرزت المداخلات الامتداد التاريخي للطرق الصوفية في مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية، ودورها في توحيد المغاربة حول ثوابتهم الدينية والوطنية.

وعلى هامش المهرجان، احتضن الفضاء التاريخي باب منصور معرضا متميزا أعاد إلى الواجهة صفحات مشرقة من تاريخ المغرب، حيث ضم مقتنيات تاريخية نادرة، من بينها عملات ونقود قديمة، وطوابع بريدية، ووثائق وصور للملوك والسلاطين المغاربة، إضافة إلى لوحات وصور فوتوغرافية تؤرخ لمحطات وطنية بارزة، أبرزها ثورة الملك والشعب، إلى جانب معروضات تجسد مراحل مفصلية من تاريخ المملكة المغربية.

وفي تصريح لـرصد المغرب، أكد رئيس الجمعية المشرفة على المعرض أن الهدف من هذه المبادرة يتمثل في الحفاظ على الذاكرة الوطنية، وتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ المغرب العريق، وإبراز ما يزخر به من موروث حضاري وثقافي غني، مشددا على أهمية تثمين هذا الرصيد التاريخي وجعله في متناول العموم، خاصة فئة الشباب.

ولم يقتصر مهرجان عيساوة على الجانب الفني والتراثي، بل نجح في الجمع بين الفكر والثقافة والموسيقى والروحانية، مقدما نموذجا لمهرجان يجعل من الثقافة وسيلة لترسيخ الهوية الوطنية، والحفاظ على التراث اللامادي، وتعزيز الحوار بين الثقافات.

وأكدت الدورة السادسة من مهرجان عيساوة: مقامات وإيقاعات العالم أن مدينة مكناس، بما تزخر به من مؤهلات تاريخية وحضارية، ما تزال قادرة على احتضان تظاهرات ثقافية وفكرية كبرى، تسهم في إبراز الوجه الحضاري للمغرب، وتعزز إشعاعه الثقافي والروحي على المستويين الوطني والدولي.

وبإسدال الستار على الدورة السادسة لمهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات العالم”، تكون مدينة مكناس قد جددت موعدها مع التاريخ والتراث والروحانية، مؤكدة أن الثقافة ليست مجرد احتفال عابر، بل رسالة لبناء الإنسان، وصون الذاكرة، وترسيخ الهوية الوطنية. لقد نجح المهرجان في الجمع بين الفن والفكر، وبين أصالة التراث وانفتاح الحاضر، ليظل فضاء يبرز غنى الموروث المغربي وإشعاعه الحضاري، ويؤكد أن الثقافة تظل من أقوى جسور التنمية والحوار والتقارب بين الشعوب.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *