رصد المغرب / عبدالسلام كوراحي (صحفي) /
تعتبر ظاهرة هجرة الشباب المغاربة بصفة عامة وواقعة النزوح الجماعي إلى مدينة سبتة المحتلة، واحدة من أكثر التعبيرات المجالية والنفسية تعقيداً في المشهد السوسيو-اجتماعي المغربي المعاصر.
ماحدث في سبتة أفرز اشتباكا بارزا لمحددات ناظمة جيوستراتيجية وجيوسياسية وأخرى سوسيو اقتصادية ومحددا سيكولوجيا مهما في الحشد والتوجيه والتأثير واستمالة الجماهير والحشود خاصة عبر الوسائط الرقمية، التي أصبحت موجها مهما في الزحف الجماهيري للديناميات الاجتماعية في السنوات الأخيرة.
واقعة النزوح الجماعي نحو سبتة يمكن قراءتها من زوايا عدة مركبة ومشتبكة ومتقاطعة ، لكن من خلال العين التي تهمنا في هذا التحليل وهي العين السوسيو اقتصادية لتفكيك أسبابها وبعض دوافعها، سنحاول بسط ماظهر من معطيات بارزة.
لا يمكن اختزال محاولات النزوح الجماعي التي تتخذ أشكالاً دراماتيكية أحياناً كالسباحة الجماعية أو التسلق، في كونها مجرد رغبة عابرة في تغيير المكان، بل هي تجلٍ صارخ لتحولات عميقة تمس البنية الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية للشباب.
ونجد بعض تجليات ما رأيناه في احتجاجات “جيل زد” وعملية النزوج الجماعي لسبتة المحتلة، في تقارير مؤسسات الحكامة كتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي كشف عن وجود 4 مليون شاب بدون عمل ولا دراسة أي شباب خارج البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، وتقارير المندوبية السامية للتخطيط وبنك للمغرب التي تكرس أرقاما مخيفة في معدلات بطالة الشباب المغربي.
التقارير لم تكن مجرد ارقام ومعطيات للتأمل، بل كشفت وحذرت من وجود كتلة اجتماعية خارج بنية الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بالمملكة، وعبرت عن وجود خلل بنيوي عميق في السياسات العمومية على مستوى الاجتماعي والاقتصادي أي الأثر المباشر وجدوى النمو على المواطن .
إن مقاربة ظاهرة الهجرة سوسيولوجياً تتطلب الغوص في الأعماق البنيوية للمجتمع، مستحضرين أدوات تحليلية قوية بالاستعانة بنظريات مثل الجذب والصد (Push-Pull Theory)، إلى جانب مفاهيم السوسيولوجيا المعاصرة حول “الحرمان المادي والنفسي” و”أزمة الهامش”.
تعمل عوامل الصد في الداخل المغربي كقوة دفع قوية تجعل البقاء في الوضع الحالي مرادفاً للموت الرمزي أو الفعلي، وفي صدارة هذه العوامل نجد الاختناق الاقتصادي والبطالة الهيكلية، حيث يعاني قطاع عريض من الشباب، في عدد من مدن وجهات المملكة والمناطق الشمالية القريبة من الثغور المحتلة ، من غياب آفاق الشغل القار والشهادات الجامعية لا تواكب سوق الشغل المتجدد والهش قانونيا، مما يخلق شعوراً جماعياً بالإحباط.
هذا الإحباط في صفوف الشباب ولد لنا أزمة المعنى وفقدان الأمل، مما دفع الشاب بأن يشعر أن مساره التعليمي أو المهني مسدود الأفق، لتتحول البطالة من مجرد مشكل اقتصادي إلى أزمه وجودية، وهنا يصبح البقاء في الوطن مرادفاً للجمود وضياع الشباب.
و تتركز هذه الهجرة في مناطق محيطة بسبتة ومليلية تعيش على وقع هشاشة اقتصادية بعد إغلاق الحدود المعيشية والتهريب المعيشي، مما جعل السكان يفقدون مصادر دخلهم التاريخية ويدفع الشباب نحو خيارات يائسة، إضافة إلى التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها جهات كثيرة من المملكة ودفعت ببعض الشباب للرغبة في الهجرة.
في المقابل، تعمل عوامل الجذب على الطرف الآخر كقوة مغناطيسية تجذب هؤلاء الشباب نحو سبتة، مستغلة هشاشتهم النفسية، إن رؤية الأراضي الأوروبية بالعين المجردة من على شواطئ الشمال المغربي تخلق ما يمكن وصفه سوسيولوجياً بـ “الوهم القريب”. هذا القرب الجغرافي يغذي وهم سهولة العبور وأن “الحياة الأخرى” لا تبعد سوى أمتار معدودة سباحة، وهنا قد ندرج فئة من الشباب ذهبت بداعي الاكتشاف والرحيل لما يسمى الفردوس الموعود ليس بسبب لفقر والحاجة بل لفقدان المعنى أحيانا المعنى في الاندماج في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وموت الحلم.
بفعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والصور النمطية التي يروّجها المهاجرون السابقون، تتشكل في مخيال الشباب صورة مثالية عن أوروبا كفضاء للرفاهية المطلقة وتحقيق الذات المادية السريعة، متجاهلين قسوة الواقع الهامشي والاندماج الصعب هناك، فلا تقتصر جاذبية سبتة على العيش فيها (فهي في نظر الكثيرين مجرد محطة)، بل تُرى كـ “ممر عابر” نحو القارة العجوز، مما يرفع من سقف المخاطرة لدى الشباب بغض النظر عن الثمن.
وتطرح هجرة الشباب سباحة نحو سبتة تساؤلات سوسيولوجية عميقة حول قيمة الحياة والجسد لدى جيل اليوم. لم يعد الجسد وسيلة للعمل المنتج داخل النسق الاجتماعي التقليدي، بل تحول إلى رأس مال أخير للاستثمار والمغامرة، هنا تتقاطع الظاهرة مع مفهوم “الحرمان الضافر” (Relative Deprivation)، حيث لا يقارن الشاب وضعه بالأساس بالحد الأدنى للبقاء، بل يقارنه بصورة الرفاه التي يراها عبر الشاشات وعبر الحدود. هذا التفاوت الخانق يولد رغبة جامحة في كسر قيود المكان، حتى وإن كان الثمن هو القفز في المجهول.
إن هجرة الشباب المغاربة إلى سبتة ليست سوى عرض لمرض اجتماعي أعمق، عنوانه العريض تصدع العقد الاجتماعي بين الشاب ومحيطه المؤسساتي والاقتصادي. إنها صرخة صامتة تعبر عن الاحتجاج بالقدمين ضد الهشاشة، وضد شعور العجز عن صناعة المستقبل، وهذا يرجع لعوامل عدة منها فقط موت السياسة وغياب المعنى في الفعل السياسي والأثر التنموي المباشر للنمو الاقتصادي المملكة على فئات وطبقات المجتمع المتوسطة والدنيا، مما يستدعى من الفاعل السياسي العمل على وضع سياسات عمومية دامجة وذات أثر تنموي مباشر تهم الشباب وباقي طبقات المجتمع.
أخيرا إن مقاربة ظاهرة الهجرة أمنياً وحدها تظل قاصرة وعاجزة عن تجفيف منابعها؛ فالحل الحقيقي يكمن في إعادة الاعتبار للعدالة المجالية، وخلق آفاق تنموية حقيقية تُشعر الشاب بأنه جزء فاعل من وطنه، لا غريبًا ينتظر فرصة للهروب منه.
يتبع…
شارك المقال























Leave a Reply