هل ما يحدث بدار الشباب بحي السلام سلا أنشطة صيفية للأطفال أم توظيف انتخابي للمال العام؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


في الوقت الذي تتحول فيه مختلف مناطق المملكة خلال العطلة الصيفية إلى فضاءات للمخيمات والأنشطة الترفيهية والتربوية الموجهة للأطفال، يطرح ما يجري داخل دار الشباب بحي السلا بسلا أكثر من علامة استفهام حول طبيعة النشاط المنظم هناك، والجهة التي تقف وراءه، ومصادر تمويله، والأهداف الحقيقية التي يراد تحقيقها من خلاله.

فبحسب المعطيات المتداولة، يتم خلال هذه الفترة جمع عدد من الأطفال داخل دار الشباب منذ العاشرة صباحا إلى حدود الخامسة مساءا، تحت غطاء أنشطة ثقافية صيفية، دون أن يغادر الأطفال المكان طوال اليوم. وهنا يبرز السؤال البسيط، وهو لماذا اختير هذا الشكل من التنظيم، في الوقت الذي تعرف فيه المملكة تنظيم مخيمات صيفية وفضاءات تربوية وترفيهية تستجيب لحاجيات الأطفال وتمنحهم فرصة للاستفادة من أنشطة متنوعة وفي ظروف أفضل؟

الأمر لا يتوقف عند طبيعة النشاط، بل يمتد إلى ظروف الاستقبال والتغذية. فالوجبة الوحيدة التي يحصل عليها الأطفال، وفق المعطيات المتداولة، هي وجبة غداء تقدم لهم داخل دار الشباب. والمثير للاستغراب هو ما يثار حول رداءة هذه الوجبة، إلى درجة أن أحد الأطفال، بعد الحديث معه عن ظروف الاستفادة، طلب من والده توفير مصروف إضافي له في اليوم الموالي، لأن الطعام المقدم، حسب ما نقله الطفل، لا يليق بالتناول.

إذا كان الأمر يتعلق فعلا بنشاط عمومي موجه للأطفال، فليس من حق الرأي العام أن يعرف فقط أن هناك نشاطا منظما، بل من حقه أن يعرف من ينظمه، ومن يموله، وما هي الميزانية المرصودة له، وما هي الجهة التي تتولى تدبيرها، وكيف تم اختيار المستفيدين، ومن تعاقد مع الجهة التي توفر الوجبات، وما هي معايير الجودة والمراقبة المعتمدة؟

هذه ليست أسئلة ترفا، بل أسئلة مرتبطة مباشرة بتدبير المال العام وبحقوق أطفال يفترض أن يكونوا في قلب أي سياسة عمومية جادة، لا مجرد أرقام في لوائح المستفيدين من أنشطة قد تتحول، في أسوأ الحالات، إلى واجهة لتوظيف سياسي أو انتخابي.

والأكثر إثارة للانتباه هو توقيت هذه الأنشطة. فإذا كان تنظيمها مبرمجا منذ مدة، فلماذا لم يتم توضيح برنامجها وميزانيتها والجهة المشرفة عليها للرأي العام؟ وإذا كانت مرتبطة بمخطط صيفي اعتيادي، فلماذا تبدو في هذا التوقيت بالذات وكأنها تتحرك بالتوازي مع أوراش أخرى تشهدها المنطقة؟

وهنا تبرز مسألة مقاطعة بطانة، التي عرفت بدورها فتح أوراش متأخرة لتبليط عدد من الأزقة، بعد فترة طويلة من الانتظار، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر، وهو هل نحن أمام برامج عمومية مبرمجة وفق حاجيات السكان وأولويات التنمية، أم أمام تحركات تتسارع كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي؟

لا أحد يعترض على تبليط الأزقة، ولا على تنظيم أنشطة للأطفال، ولا على توفير الخدمات للسكان. الاعتراض الحقيقي يبدأ عندما تتحول الخدمة العمومية إلى وسيلة للاستعراض السياسي، أو عندما يتم استثمار المال العام في صناعة صورة انتخابية لفائدة أشخاص أو أحزاب أو لوائح.

وإذا كانت هذه الأنشطة والأوراش مبرمجة في إطار الميزانيات والبرامج العادية، فالمطلوب ببساطة هو كشف الوثائق، من برمجها؟ متى برمجت؟ ما الكلفة؟ من المستفيد؟ من وقع الصفقات أو الاتفاقيات؟ ومن يراقب تنفيذها؟ أما إذا كانت قد ظهرت فجأة قبيل الاستحقاقات الانتخابية، فهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، وهو هل يتعلق الأمر بتدبير عمومي أم بتوظيف انتخابي للإمكانيات العمومية؟

والأخطر من ذلك أن تتحول مؤسسات عمومية موجهة للأطفال، مثل دور الشباب، إلى فضاءات يستثمر فيها البعض قرب الاستحقاقات الانتخابية من أجل بناء النفوذ واستمالة الأسر والسكان. فالأطفال ليسوا أدوات في الحملات السياسية، والمال العام ليس رصيدا انتخابيا، والمرفق العمومي ليس ملكا لهذا المنتخب أو ذاك.

إن المطلوب اليوم ليس إطلاق الأحكام، وإنما فتح تحقيق إداري ومالي واضح، والكشف عن حقيقة هذه الأنشطة ومصادر تمويلها والجهات المشرفة عليها، مع إخضاع الوجبات المقدمة للأطفال للمعايير المعمول بها، وتحديد المسؤوليات في حالة ثبوت أي اختلال.

أما أن تمر هذه الأمور في صمت، تحت ذريعة أن الجميع منشغل بالاستعداد للاستحقاقات المقبلة، فذلك هو الخطر الحقيقي. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن يستغل المال العام، وإنما أن يصبح استغلاله أمرا عاديا لا يستحق حتى المساءلة.

لقد ملّ المواطن من الأوراش التي تظهر في اللحظات الانتخابية، ومن الأنشطة التي تتحول إلى صور دعائية، ومن الوعود التي لا تظهر إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع. وإذا كان ما يجري في دار الشباب بحي السلا بسلا، وما يجري من أوراش متأخرة في مقاطعة بطانة خاصة، مجرد برامج عمومية عادية، فليخرج المسؤولون إلى الرأي العام ويقدموا المعطيات والوثائق.

أما إذا كانت هناك محاولة لتوظيف هذه الإمكانيات في خدمة حسابات انتخابية، فالمطلوب ليس الصمت، بل المحاسبة. لأن المال العام لا لون انتخابي له، ودار الشباب ليست مقرا لحملة انتخابية، والأطفال ليسوا وسيلة للدعاية، والخدمات العمومية ليست هدايا انتخابية توزع قبل موعد الاقتراع.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *