رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي /
ضربة بارعة، وسباحة سياسية من الطراز الأول. هكذا يمكن وصف انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال، في واحدة من أكثر عمليات الترحال السياسي إثارة للانتباه مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فالرجل الذي ظل لعقود واحدا من الوجوه البارزة في المشهد السياسي بمدينة سلا، اختار أن يغير القميص الحزبي في لحظة سياسية دقيقة، وكأن البوصلة لم تعد تشير إلى مبادئ أو قناعات أو مشاريع مجتمعية، وإنما إلى اتجاه الرياح السياسية الأقوى.
إدريس السنتيسي ليس وافدا جديدا على السياسة. فقد ظل لسنوات ممثلا لدائرته الانتخابية في البرلمان، وتولى مسؤوليات داخل الحركة الشعبية، من رئاسة الفريق النيابي إلى رئاسة لجنة الداخلية بمجلس النواب. ولذلك فإن انتقاله لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تغيير عادي للانتماء الحزبي، حيث حين يقرر سياسي مخضرم، قضى عقودا داخل حزب، مغادرته نحو حزب آخر، فإن السؤال المشروع ليس فقط لماذا غادر؟ بل أيضا ماذا ينتظر من هذه المغادرة؟ وما الذي تم الاتفاق عليه قبل أن تطوى صفحة الحزب القديم وتفتح صفحة الحزب الجديد؟
المصادر المتداولة تتحدث عن تدهور كبير في العلاقة بين السنتيسي ومحمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، بعد سنوات من الخلافات والتوترات. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الرجلين ربما وصلا إلى قناعة مفادها أن استمرار التعايش داخل البيت الواحد أصبح أكثر كلفة من الانفصال. وهنا تصبح السياسة، مرة أخرى، أشبه بحسابات دقيقة للمكاسب والخسائر. حيث يغادر السنتيسي حزبا لم يعد يرى فيه هامشا إضافياً للصعود، ويتخلص أوزين في المقابل من شخصية ذات طموحات لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
لكن المفارقة الكبرى أن المواطن المغربي لم يعد يفاجأ كثيرا بمثل هذه التحولات. لقد أصبح تغيير الحزب بالنسبة إلى قطاع واسع من السياسيين أشبه بتغيير العنوان، بينما يظل الهدف واحدا، وهو الاستمرار في البرلمان، ثم البحث عن موقع أقرب إلى مركز القرار. أما المبادئ الحزبية والبرامج والمرجعيات الفكرية، فقد تحولت في كثير من الحالات إلى تفاصيل ثانوية لا تستحق تعطيل قطار الطموح الشخصي.
وانضمام السنتيسي إلى حزب الاستقلال يفتح الباب أمام احتمال تصدره لائحة الحزب في دائرته الانتخابية بسلا، مستفيدا من حضوره الانتخابي وخبرته الطويلة وشبكة العلاقات التي راكمها على مدى سنوات. وهنا تظهر إحدى أكثر أزمات السياسة المغربية إيلاما، حيث الناخب نفسه يجد نفسه أحيانا أمام أشخاص أكثر من كونه أمام أحزاب، وأمام شبكات من المصالح والولاءات أكثر من كونه أمام برامج سياسية قابلة للمحاسبة.
وهناك حديث متداول عن مطالبة مستخدمين في شركات مرتبطة بعائلة السنتيسي بجلب عدد محدد من الناخبين، حيث لم نجد من يؤكد ذلك. لكن مجرد تداول مثل هذه الروايات يكشف حجم أزمة الثقة التي أصبحت تحيط بالممارسة الانتخابية، حيث تختلط السياسة بالمال، والانتخابات بالعلاقات الشخصية، والخدمة العامة بحسابات النفوذ.
المشكلة، في الحقيقة، ليست في أن يغير سياسي حزبه. فالانتماء الحزبي ليس عقد زواج أبديا، ومن حق أي سياسي أن يراجع اختياراته. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب مجرد وسيلة للوصول، ويصبح الناخب مجرد رقم في لائحة انتخابية، وتتحول الدائرة الانتخابية إلى مجال لإعادة إنتاج النفوذ العائلي والشخصي بدل إنتاج الكفاءات والبدائل.
وإذا كان انتقال السنتيسي سيمنحه فرصة جديدة، فإنه سيضع حزب الاستقلال أيضا أمام اختبار حقيقي، وهو هل يريد أن يستقطب الأسماء الانتخابية القادرة على جلب المقاعد فقط؟ أم يريد أن يبني مشروعا سياسيا يستوعب الكفاءات ويجدد النخب ويفتح الطريق أمام الشباب؟ وهل سيكون الوافد الجديد مجرد مرشح قوي، أم سيصبح في المستقبل رقما صعبا داخل هرم الحزب؟
إن السياسي الذي أمضى عقودا في البرلمان، وراكم تجربة وشبكة علاقات واسعة، لا ينتقل عادة من حزب إلى آخر لكي يبدأ من الصفر فعلا. يبدأ من الصفر على الورق، أما في الواقع فيحمل معه تاريخه وشبكته ونفوذه وطموحاته. ولذلك فإن الحديث عن مجرد ترحال انتخابي قد يكون أقل من حقيقة ما يجري خلف الكواليس. وهنا تكمن المعضلة الأكبر، وهي ماذا بقي من السياسة إذا أصبح الهدف هو البقاء في المنصب إلى ما لا نهاية؟
لقد تحولت النيابة البرلمانية، في نظر بعض الوجوه، من مهمة مؤقتة مرتبطة بثقة الناخبين إلى شبه مهنة دائمة، ومن مسؤولية قابلة للمحاسبة إلى موقع ينبغي الحفاظ عليه بأي ثمن. والمفارقة أن بعض السياسيين يتحدثون عن التداول، وتجديد النخب، وتمكين الشباب، بينما يتصرفون عمليا كما لو أن المقاعد البرلمانية ملكيات شخصية تنتقل من جيل إلى آخر داخل العائلات والشبكات نفسها.
بهذه الطريقة تفرغ الديمقراطية من مضمونها دون الحاجة إلى إلغائها. تبقى الانتخابات، وتبقى الصناديق، وتبقى الحملات والشعارات، لكن جوهر العملية السياسية يتآكل تدريجيا عندما تصبح المنافسة بين الأشخاص وشبكاتهم بدل أن تكون بين البرامج والمشاريع.
والمواطن بدوره ليس بريئا دائما من هذه المعادلة. فحين يصبح معيار الاختيار هو من يقدم أكثر، ومن يقيم الولائم أكثر، ومن يستطيع حشد عدد أكبر من الوسطاء والسماسرة، فإن الناخب يتحول من مواطن يختار من يمثله إلى طرف في سوق انتخابية موسمية. وبعد انتهاء الموسم، يعود الجميع إلى الشكوى من ضعف الخدمات، وغياب التجهيزات، وارتفاع البطالة، وتردي التعليم والصحة، وضيق آفاق الشباب.
إنها دائرة مغلقة، حيث سياسي يريد البقاء، ووسيط يريد الربح، وناخب يبحث عن منفعة عاجلة، وحزب يريد مقعدا إضافيا، وفي النهاية يخسر الجميع الشيء الوحيد الذي كان يفترض أن يجمعهم، هي المصلحة العامة.
ولذلك فإن قضية السنتيسي، أيا كانت نتائجها الانتخابية، تتجاوز شخصه وحزبه الجديد. لأنها تضع أمامنا سؤالا أكبر بكثير، وهو هل ما زالت الأحزاب المغربية مؤسسات لإنتاج الأفكار والنخب والمشاريع، أم تحولت إلى منصات انتخابية تستقطب من يملك قاعدة انتخابية جاهزة؟
وإذا كانت السياسة قد وصلت إلى مرحلة يصبح فيها اللون الحزبي قابلا للتغيير بهذه السهولة، بينما يبقى المقعد البرلماني هو الثابت الوحيد، فإن الخلل لا يوجد فقط في السياسي الذي يرحل، وإنما في منظومة كاملة تسمح بأن يصبح الترحال أكثر ربحا من الالتزام، وأن يصبح النفوذ أكثر قيمة من الكفاءة، وأن يصبح المقعد هدفا في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لخدمة المواطنين.
وخلاصة كل ذلك، لا يحتاج المغرب إلى مزيد من الوجوه التي تتقن البقاء، بل إلى نخب تتقن الرحيل أيضا، نخب تعرف أن المنصب ليس إرثا عائليا، وأن البرلمان ليس ملكية خاصة، وأن السياسة ليست مهنة مدى الحياة، وأن المواطن ليس مجرد رقم انتخابي يستدعى عند الحاجة ثم ينسى إلى موعد الاقتراع المقبل.
فحين يصبح الكرسي أهم من القضية، والحزب أقل أهمية من المرشح، والناخب مجرد وسيلة للعودة إلى البرلمان، فإن المشكلة لم تعد في ترحال سياسي واحد، وإنما في سياسة فقدت بوصلتها، وأصبح فيها المنصب هو الغاية، بينما المواطن مجرد تفصيل في الطريق.
شارك المقال























Leave a Reply