رصد المغرب/مصطفى ايدمولود
في خضم النقاش المتصاعد حول فرض رسوم مالية على الموظفين والمأجورين في سلك الدكتوراه، جاء تصريح الأستاذ الجامعي الصوصي العلوي عبد الكبير ليضع الإصبع على الجرح الحقيقي:
كيف حصل رؤساء الجامعات والعمداء والأساتذة الجامعيون أنفسهم على الدكتوراه بصفر درهم، ثم أصبح بعضهم اليوم جزءًا من منظومة تقرر أن يدفع الآخرون ملايين السنتيمات من أجل الحصول على الشهادة نفسها؟
السؤال هنا ليس شخصيًا، ولا يتعلق بأستاذ أو عميد أو رئيس جامعة بعينه، بل يتعلق بمنطق كامل بدأ يتسلل إلى الجامعة المغربية.
الأستاذ يقول بوضوح: حتى إذا تغيرت الظروف الاقتصادية، فمن أين لموظف أو مهني أن يوفر ثمانية ملايين سنتيم لمتابعة الدكتوراه؟ بل إن المفارقة أكثر قسوة: الموظف الذي استفاد من زيادة محدودة في أجره، هو نفسه مطالب بأداء ما يقارب 2000 درهم شهريًا إذا أراد مواصلة دراسته في الدكتوراه، وهو نفسه الذي قد يجد أبناءه محرومين من المنحة الجامعية فقط لأن والدهم موظف.
هذه ليست مجرد أرقام.
هذه طبقية اجتماعية تُترجم إلى سياسة جامعية.
وهنا تحديدًا نحتاج إلى استحضار أنطونيو غرامشي ومفهوم “المثقف العضوي”.
فالمثقف، في التصور الغرامشي، لا ينبغي أن يكون مجرد حامل لشهادة أو موظفًا داخل مؤسسة علمية، وإنما فاعلًا قادرًا على فهم البنية الاجتماعية التي ينتج داخلها المعرفة، وعلى مساءلة علاقات القوة والمصالح التي تحكمها.
المثقف العضوي لا يسأل فقط:
«كم ستدخل الجامعة من الرسوم؟»
بل يسأل:
من سيدفع؟ ومن سيستفيد؟ ومن سيُقصى؟ وما التحول الذي يحدث في وظيفة الجامعة العمومية عندما يصبح المال شرطًا للولوج إلى المعرفة؟
وهنا تكمن خطورة اختزال النقاش في وعد بأن 60% من المداخيل ستعود إلى المختبرات ومراكز البحث.
قد يبدو الأمر مغريًا بالنسبة لبعض الأساتذة والباحثين الذين تعاني مختبراتهم فعلًا من ضعف التمويل. لكن علينا أن نكون أكثر يقظة.
لا ينبغي أن تتحول أزمة تمويل البحث العلمي إلى حصان طروادة لضرب مجانية التعليم.
فبدل أن تسأل الدولة: لماذا لا تمول البحث العلمي بما يكفي من المال العمومي؟
يقال للأستاذ والباحث: اقبلوا الرسوم، وستحصل مختبراتكم على جزء من المداخيل.
هكذا يتحول الباحث، دون أن يشعر، من مدافع عن الجامعة العمومية إلى شريك في تسويق سياسة تجارية داخلها.
وهنا يصبح السؤال الطبقي ضروريًا:
إذا كان المختبر يحتاج إلى المال، فلماذا يكون مصدر هذا المال هو جيب الموظف والعامل والباحث؟
لماذا لا يكون تمويل البحث العلمي جزءًا من الاستثمار العمومي في المعرفة؟
الدولة التي تمول الطرق والموانئ والمشاريع الكبرى مطالبة أيضًا بتمويل الجامعة والبحث العلمي، لأن المعرفة ليست سلعة كمالية، بل بنية تحتية للمجتمع نفسه.
والأخطر من ذلك أن تمرير الرسوم يمكن أن يجري عبر منطق يبدو عقلانيًا في البداية:
“التوقيت الميسر يحتاج إلى موارد إضافية.”
ثم:
“الرسوم ستدعم المختبرات.”
ثم:
“الرسوم ستُحسن جودة التكوين.”
ثم يصبح ما كان استثناءً قاعدة، وما كان حقًا اجتماعيًا خدمةً مؤدى عنها.
هكذا تعمل الخوصصة في كثير من الأحيان: لا تأتي دائمًا بقرار معلن يقول: سنبيع الجامعة.
بل تأتي في شكل رسوم، وخدمات مؤدى عنها، وتنويع للموارد، وشراكات، وتدبير بالمردودية، وربط التمويل بالأداء، ثم تتغير تدريجيًا علاقة المواطن بالمؤسسة العمومية.
والأخطر أن تتغير اللغة نفسها.
الطالب لم يعد طالبًا، بل “مستفيد”.
والجامعة لم تعد حقًا عموميًا، بل “خدمة”.
والدكتوراه لم تعد مسارًا علميًا، بل “تكوينًا” له سعر.
والباحث لم يعد مواطنًا يمارس حقه في المعرفة، بل زبونًا قادرًا أو عاجزًا عن الأداء.
هنا تحديدًا يجب أن نستعيد المعنى الحقيقي للمثقف العضوي.
المثقف الجامعي ليس من يكتفي بحساب ما سيحصل عليه مختبره من عائدات الرسوم، بل من يستطيع أن يرى ما وراء الأرقام.
ليس من يسأل: كم سيصل إلى حساب مختبري؟
بل من يسأل:
لماذا أصبح تمويل المختبر مرتبطًا أصلًا بقدرة الموظف والطالب على الدفع؟
ليس من يساوم على حق اجتماعي مقابل بعض الامتيازات المالية، بل من يدافع عن تمويل عمومي عادل ومستدام للبحث العلمي.
ولذلك فإن المعركة اليوم ليست بين “من يريد تطوير البحث العلمي” و”من يعارض الرسوم”.
هذا تبسيط خطير.
المعركة الحقيقية هي بين تصورين للجامعة:
جامعة عمومية تعتبر المعرفة حقًا اجتماعيًا وتستثمر فيها الدولة باعتبارها مصلحة عامة؛
وجامعة تتجه تدريجيًا نحو منطق السوق، حيث يصبح الولوج إلى المعرفة مرتبطًا بالقدرة على الدفع.
ومن هنا يجب أن تكون اليقظة.
فالوعود المالية المقدمة لبعض الفئات لا ينبغي أن تحجب عنا السؤال الأكبر.
لا تجعلوا بعض الدريهمات التي قد تصل إلى المختبرات تغطي أعيننا عن التحول البنيوي الذي يحدث في الجامعة.
لا نريد أستاذًا يفاوض على نصيبه من الغنيمة، بينما يُغلق الباب أمام موظف أو مهني لا يستطيع دفع ثمانية ملايين سنتيم.
نريد أستاذًا مثقفًا عضويًا يرى الجامعة من موقع المجتمع، لا من موقع مصلحته الضيقة داخلها.
نريد أستاذًا يسأل عن الطالب الذي لا يستطيع الدفع، وعن الموظف الذي يقتطع من قوت أسرته، وعن الباحث الذي يمول أبحاثه من جيبه، وعن أبناء الطبقات الشعبية الذين قد يصبح الدكتوراه بالنسبة إليهم حلمًا مؤجلًا بسبب المال.
فالجامعة العمومية لا تُقاس فقط بما تدخله خزائنها، وإنما بمن تفتح لهم أبوابها.
وإذا أصبح المال هو بوابة المعرفة، فإننا لا نمول الجامعة فقط…
بل نعيد تشكيلها طبقيًا.
وهنا بالضبط يجب أن تبدأ اليقظة.
لا لخوصصة الجامعة تحت أي اسم.
لا لتحويل الحق في المعرفة إلى خدمة مؤدى عنها.
نعم لتمويل عمومي قوي ومستقل للبحث العلمي.
ونعم لمثقف جامعي يكون عضويًا في قضايا المجتمع، لا تابعًا لمنطق السوق.
شارك المقال























Leave a Reply