رصد المغرب / عبدالعالي بريك /
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بدأت تظهر مؤشرات سياسية لافتة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما توالت في الآونة الأخيرة حالات المغادرة والقطيعة مع هياكله التنظيمية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الجهوي، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة ما يجري داخل «الجرار» وأسباب هذه التحولات المتسارعة.
آخر هذه الحالات برزت من إقليم تاونات، بعدما أعلن سفيان الصيباري، عضو مجلس جماعة قرية با محمد ورئيس اللجنة الدائمة المكلفة بالتنمية البشرية والشؤون الاجتماعية، القطيعة مع حزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدا أنه لم تعد تربطه أي صلة بهياكله التنظيمية المحلية والإقليمية والجهوية.
والصيباري، الذي يشغل كذلك عضوية اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، اختار الإعلان عن موقفه عبر أخبار نشره على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، موضحا من خلاله موقفه السياسي قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ولم يكتف المستشار الجماعي بإعلان القطيعة، بل قدم روايته الخاصة لمساره داخل الحزب، مشيرا إلى أنه كان وراء منح الأصالة والمعاصرة، لأول مرة، مقعدا بمجلس جماعة قرية با محمد، معتبرا أن ذلك تحقق بفضل أصوات ساكنة دائرة الألفة المصلى التي صوتت لشخصه، بحسب تعبيره، وليس للحزب.
الأكثر إثارة في موقف الصيباري، هو إعلانه عدم دعمه لمرشح حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة القرية غفساي، مبررا ذلك بما اعتبره فشلا في تمثيل المنطقة داخل مجلس النواب خلال ولايتين، في الوقت الذي يسعى فيه المرشح نفسه، وفق رواية الصيباري، إلى الظفر بولاية برلمانية ثالثة.
وبعبارة تحمل دلالات سياسية واضحة، استحضر الصيباري المثل القائل: «المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين»، في إشارة إلى تجربته السابقة، مؤكدا أنه لا يريد أن يساهم مجددا في دعم من يعتبره ممثلا لنفسه ومجاله الضيق.
غير أن حالة الصيباري ليست الوحيدة التي تستحق التوقف عندها. فعلى مستوى فاس، سبق لصلاح الدين التازي، الذي كان منتميا إلى منظمة الشباب التابعة لحزب الأصالة والمعاصرة، أن أعلن بدوره مغادرته، بعدما كان من بين الأسماء التي كانت مطروحة ضمن المتأهلين لنيل تزكية الترشح للانتخابات البرلمانية، قبل أن يختار الابتعاد عن التنظيم، لأسباب قال إنها مرتبطة بخيارات وتدبير المرحلة بما لا يخدم، بحسب موقفه، مصالحه السياسية.
كما سبق أن شهد الحزب حالات أخرى لمنتسبين اختاروا مغادرته والانتقال إلى أحزاب سياسية أخرى، في سياق انتخابي بدأت فيه التزكيات والتحالفات والرهانات الانتخابية تأخذ مساحة أكبر من النقاش داخل مختلف التنظيمات السياسية. فهل نحن أمام خلافات فردية أم أزمة ثقة داخلية؟
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس فقط لماذا غادر هؤلاء حزب الأصالة والمعاصرة؟ بل السؤال الأعمق، هو هل يتعلق الأمر بمجرد خلافات شخصية وتنظيمية مرتبطة بالتزكيات والمواقع الانتخابية، أم أن هناك أزمة أوسع في تدبير العلاقة بين القيادات والقواعد والمناضلين والمنتخبين؟
ففي السياسة، مغادرة عضو أو قيادي لا تعني بالضرورة وجود أزمة داخل التنظيم، وقد تكون أحيانا نتيجة اختلاف في الاختيارات أو الحسابات الانتخابية أو حتى إعادة ترتيب المواقع. لكن عندما تتكرر المغادرات، وتأتي بعضها في توقيت حساس يسبق الاستحقاقات الانتخابية، فإن الظاهرة تصبح جديرة بالتحليل، خصوصا عندما يكون أصحابها من أشخاص كانوا جزءا من الهياكل التنظيمية أو منخرطين في مشاريع انتخابية للحزب.
وهنا يبرز ملف التزكيات الانتخابية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية داخل الأحزاب السياسية، إذ تتحول التزكية، مع اقتراب موعد الانتخابات، إلى نقطة احتكاك بين الطموحات الشخصية والحسابات التنظيمية والرهانات الانتخابية للقيادات المحلية والإقليمية.
وفي المقابل، هناك من يرى أن مغادرة بعض الأسماء للأحزاب قبل الانتخابات لا تعني بالضرورة وجود «نزيف تنظيمي»، وإنما تعكس ببساطة طبيعة الحياة السياسية والانتخابية، حيث تتغير الاصطفافات باستمرار، وتنتقل بعض الوجوه من حزب إلى آخر بحثا عن فرص سياسية وانتخابية جديدة.
الأصالة والمعاصرة، الذي راكم خلال السنوات الماضية تجربة انتخابية وحضورا قويا في عدد من المناطق، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد: كيف سيدبر مرحلة ما قبل الانتخابات؟ وكيف سيحافظ على تماسك هياكله المحلية والإقليمية؟ وكيف سيوازن بين طموحات الأسماء الراغبة في الترشح وبين اختيارات القيادة الحزبية؟
فقد تكون مغادرة الصيباري والتازي وغيرهما مجرد حالات منفصلة لا يجمع بينها سوى التوقيت، وقد تكون في المقابل مؤشراً على وجود خلافات أعمق حول طريقة تدبير المرحلة المقبلة.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال المفتوح، هو هل يغادر هؤلاء الأشخاص لأنهم اختلفوا مع الحزب، أم لأن الحزب غيّر اختياراته تجاههم؟ وهل يتعلق الأمر بخلافات مبدئية حول التمثيلية والأداء السياسي، أم أن التزكيات الانتخابية والمواقع القادمة تقف خلف جزء من هذه المغادرات؟
الجواب الحقيقي لن تحدده بيانات المغادرة وحدها، وإنما ستكشفه الخريطة السياسية والانتخابية التي ستتشكل خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. حيث في السياسة، أحيانا لا تكشف الاستقالة وحدها حجم الخلاف. بل تكشفها الوجهة التي يختارها المغادر بعد مغادرته.
شارك المقال























Leave a Reply