رصد المغرب / عبدالعالي بريكي /
تتواصل حالة من الاستياء والغضب في صفوف عدد من المواطنين وأبناء مدينة بنسليمان، على خلفية ما يقول متضررون إنها ممارسات تضيق على العائلات الراغبة في دفن موتاها بإحدى المقابر القديمة بالمدينة، وسط مطالب متزايدة بتدخل السلطات المختصة وفتح تحقيق عاجل للوقوف على حقيقة ما يجري، وتحديد المسؤوليات وفقا للقانون.
وبحسب إفادات متضررين، فإن إحدى الجمعيات المشرفة على تدبير شؤون المقبرة تفرض، وفق ما يتم تداوله، مبالغ مالية تصل إلى 400 درهم كشرط مقابل السماح بدفن الموتى بالمقبرة القديمة، الأمر الذي أثار استياء واسعا، خاصة لدى الأسر التي تجد نفسها في ظرف إنساني بالغ الحساسية، لا يحتمل المزيد من الضغوط أو التعقيدات.
ويؤكد بعض المتضررين أن الأمر لا يتوقف، حسب روايتهم، عند طلب مبالغ مالية، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه عائلات إلى المقبرة الجديدة بدعوى أن المقبرة القديمة مخصصة لفئة معينة من أبناء المنطقة، مع تداول عبارات من قبيل: “إلا ما كنتيش ولد بنسليمان، سير دفن فالمقبرة الجديدة”، وهي تصريحات، إن ثبتت، تطرح علامات استفهام جدية حول المعايير المعتمدة في السماح بالدفن داخل المقبرة.
هل هناك سند قانوني واضح؟
وتزداد علامات الاستفهام عندما يتم، حسب روايات المتضررين، تبرير هذه الإجراءات بالقول إنها تستند إلى “تعليمات السيد الباشا والقانون الداخلي للجمعية”.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل توجد فعلا تعليمات رسمية بهذا الخصوص؟ وما طبيعتها؟ وهل تمنح الجمعية المعنية صلاحيات تقييد حق المواطنين في الدفن أو فرض مبالغ مالية على الأسر؟ وهل القانون الداخلي لجمعية مدنية يمكن أن يشكل، بمفرده، سندا لممارسة صلاحيات ذات طابع تنظيمي أو سلطوي داخل مرفق ذي حساسية دينية واجتماعية وإنسانية كبيرة؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المختصة، خصوصا أن الأمر يتعلق بمقبرة، وهي فضاء له حرمته وخصوصيته، ولا ينبغي أن يتحول إلى مجال للخلافات أو الممارسات التي قد تزيد من معاناة الأسر في لحظات الفقد والحزن.
كما يثير هذا الملف تساؤلات أخرى مرتبطة بحقوق أبناء المنطقة وأصحاب الأراضي، ومن بينهم من تربطهم علاقة تاريخية بالمقبرة وبشجرة “سيدي محمد بنسليمان”، في ظل ما يعتبره متضررون محاولة لفرض الأمر الواقع وتحديد من يحق له الدفن بالمقبرة ومن يتم توجيهه إلى مقبرة أخرى.
والسؤال هنا ليس فقط حول مبلغ 400 درهم، وإنما حول الأساس القانوني والإداري والتنظيمي الذي تستند إليه هذه الإجراءات، والجهة التي تتحمل مسؤولية تدبير المقبرة ومراقبة طريقة تسييرها، ومدى احترام ذلك للقوانين والضوابط الجاري بها العمل.
وأمام تضارب الروايات، فإن الحل الأمثل لا يكمن في تبادل الاتهامات، وإنما في فتح تحقيق إداري شفاف تستمع خلاله الجهات المختصة إلى جميع الأطراف، بما في ذلك الجمعية المعنية والمتضررون والسلطات المحلية، والاطلاع على الوثائق والقوانين المنظمة للمقبرة، والتحقق من حقيقة المبالغ التي يتم طلبها، وأوجه صرفها، وما إذا كانت هناك أي تعليمات رسمية بشأن شروط الدفن بالمقبرة القديمة.
كما تطالب أصوات من داخل الساكنة بالكشف بشكل واضح عن طبيعة العلاقة بين الجمعية والجهات المحلية، وعن حدود الاختصاصات المخولة لها، حتى لا تبقى أسماء المسؤولين ورجال السلطة عرضة للاستعمال في تبرير قرارات أو إجراءات لم تتضح طبيعتها القانونية.
ويبقى من حق المواطنين معرفة من يدبر المقبرة؟ ومن يحدد شروط الدفن؟ ومن يراقب الأموال التي يتم تحصيلها إن ثبت تحصيلها؟ وما هو السند القانوني لكل إجراء؟
إن حرمة الموتى وكرامة ذويهم تقتضيان التعامل مع هذا الملف بأقصى درجات المسؤولية والشفافية، بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع أو استغلال حاجة الأسر في لحظات الحزن.
وعليه، فإن المتضررين والساكنة يناشدون السلطات الإقليمية والمحلية والجهات المختصة التدخل العاجل وفتح تحقيق جدي وشفاف للوقوف على حقيقة هذه الادعاءات، وترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة في حال ثبوت أي تجاوز، مع ضمان احترام القانون وحقوق المواطنين وحرمة المقابر.
فالمقابر ليست مجالا للنفوذ أو الامتيازات، وإنما فضاءات لها حرمتها، وكرامة الموتى وحقوق ذويهم ينبغي أن تبقى فوق كل اعتبار.
شارك المقال























Leave a Reply